فخر الدين الرازي
270
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المرتبة الثالثة إنما يراد كله للبدن بدليل أنه إذا تألم عضو من أعضائه فإنه يجعل المال والجاه فداء له . وأما السعادة البدنية فالفضلاء من الناس إنما يريدونها للسعادة النفسانية فإنه ما لم يكن صحيح البدن لم يتفرغ لاكتساب السعادات النفسانية الباقية ، إذا عرفت هذا فنقول : العاقل ينبغي أن يكون سعيه في تقديم الأهم على المهم ، فالتفاخر بالمال والجاه والأعوان والأقرباء تفاخر بأخس المراتب من أسباب السعادات ، والاشتغال به يمنع الإنسان من تحصيل السعادة النفسانية بالعلم والعمل ، فيكون ذلك ترجيحا لأخس المراتب في السعادات على أشرف المراتب فيها ، وذلك يكون عكس الواجب ونقيض الحق ، فلهذا السبب ذمهم اللّه تعالى فقال : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ويدخل فيه التكاثر بالعدد وبالمال والجاه والأقرباء والأنصار والجيش ، وبالجملة فيدخل فيه التكاثر بكل ما يكون من الدنيا ولذاتها وشهواتها . المسألة الثالثة : قوله : أَلْهاكُمُ يحتمل أن يكون إخبارا عنهم ، ويحتمل أن يكون استفهاما بمعنى التوبيخ والتقريع أي أألهاكم ، كما قرئ أنذرتهم و أَ أَنْذَرْتَهُمْ * [ البقرة : 6 ] ، و إِذا كُنَّا عِظاماً * و أَ إِذا كُنَّا عِظاماً * [ الإسراء : 49 ] . المسألة الرابعة : الآية دلت على أن التكاثر والتفاخر مذموم والعقل دل على أن التكاثر والتفاخر في السعادات الحقيقية غير مذموم ، ومن ذلك ما روي من تفاخر العباس بأن السقاية بيده ، وتفاخر شيبة بأن المفتاح بيده إلى أن قال علي عليه السلام : وأنا قطعت خرطوم الكفر بسيفي فصار الكفر مثلة فأسلمتم فشق ذلك عليهم فنزل قوله تعالى : أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ [ التوبة : 19 ] الآية وذكرنا في تفسير قوله تعالى : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [ الضحى : 11 ] أنه يجوز للإنسان أن يفتخر بطاعاته ومحاسن أخلاقه إذا كان يظن أن غيره يقتدي به ، فثبت أن مطلق التكاثر ليس بمذموم ، بل التكاثر في العلم والطاعة والأخلاق الحميدة هو المحمود ، وهو أصل الخيرات ، فالألف واللام في التكاثر ليسا للاستغراق ، بل للمعهود السابق ، وهو التكاثر في الدنيا ولذاتها وعلائقها ، فإنه هو الذي يمنع عن طاعة اللّه تعالى وعبوديته ، ولما كان ذلك مقررا في العقول ومتفقا عليه في الأديان ، لا جرم حسن إدخال حرف التعريف عليه . المسألة الخامسة : في تفسير الآية وجوه أحدها : ألهاكم التكاثر بالعدد . روي أنها نزلت في بني سهم وبني عبد مناف تفاخروا أيهم أكثر فكان بنو عبد مناف أكثر فقال بنو سهم عدوا مجموع أحيائنا وأمواتنا مع مجموع أحيائكم وأمواتكم ، ففعلوا فزاد بنو سهم ، فنزلت الآية وهذه الرواية مطابقة لظاهر القرآن ، لأن قوله : حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ يدل على أنه أمر مضى فكأنه تعالى يعجبهم من أنفسهم ، ويقول هب أنكم أكثر منهم عددا فماذا ينفع ، والزيارة إتيان الموضع ، وذلك يكون لأغراض كثيرة ، وأهمها وأولاها بالرعاية ترقيق القلب وإزالة حب الدنيا / فإن مشاهدة القبور تورث ذلك على ما قال عليه السلام : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإن في زيارتها تذكرة » ثم إنكم زرتم القبور بسبب قساوة القلب والاستغراق في حب الدنيا فلما انعكست هذه القضية ، لا جرم ذكر اللّه تعالى ذلك في معرض التعجيب . والقول الثاني : أن المراد هو التكاثر بالمال واستدلوا عليه بما روى مطرف بن عبد اللّه بن الشخير عن أبيه أنه عليه السلام كان يقرأ : أَلْهاكُمُ وقال ابن آدم : يقول مالي مالي ، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت ، والمراد من قوله : حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ أي حتى متم وزيارة القبر عبارة