فخر الدين الرازي
268
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وزنهما ، خصوصا وقد نقضيا ، بل المراد أن الصحف المكتوب فيها الحسنات والسيئات توزن ، أو يجعل النور علامة الحسنات والظلمة علامة السيئات ، أو تصور صحيفة الحسنات بالصورة الحسنة وصحيفة السيئات بالصورة القبيحة فيظهر بذلك الثقل والخفة ، وتكون الفائدة في ذلك ظهور حال صاحب الحسنات في الجمع العظيم فيزداد سرورا ، وظهور حال صاحب السيئات فيكون ذلك كالفضيحة له عند الخلائق . أما قوله تعالى : [ سورة القارعة ( 101 ) : آية 7 ] فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 7 ) فالعيشة مصدر بمعنى العيش ، كالخيفة بمعنى الخوف ، وأما الراضية فقال الزجاج : معناه أي عيشة ذات رضا يرضاها صاحبها وهي كقولهم لا بن وتأمر بمعنى ذو لبن وذو تمر ، ولهذا قال المفسرون : تفسيرها مرضية على معنى يرضاها صاحبها . ثم قال تعالى : [ سورة القارعة ( 101 ) : آية 8 ] وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ( 8 ) أي قلت حسناته فرجحت السيئات على الحسنات قال أبو بكر رضي اللّه عنه : إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم ، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا ، وإنما خفت موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم ، وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا ، وقال مقاتل : إنما كان كذلك لأن الحق ثقيل والباطل خفيف . / أما قوله تعالى : [ سورة القارعة ( 101 ) : آية 9 ] فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ( 9 ) ففيه وجوه : أحدها : أن الهاوية من أسماء النار وكأنها النار العميقة يهوى أهل النار فيها مهوى بعيدا ، والمعنى فمأواه النار ، وقيل : للمأوى أم على سبيل التشبيه بالأم التي لا يقع الفزع من الولد إلا إليها وثانيها : فأم رأسه هاوية في النار ذكره الأخفش والكلبي وقتادة قال : لأنهم يهوون في النار على رؤوسهم وثالثها : أنهم إذا دعوا على الرجل بالهلاك قالوا : هوت أمه لأنه إذا هوى أي سقط وهلك فقد هوت أمه حزنا وثكلا ، فكأنه قيل : وأما من خفت موازينه فقد هلك . ثم قال تعالى : [ سورة القارعة ( 101 ) : آية 10 ] وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ ( 10 ) قال صاحب ( هيه ) ضمير الداهية التي دل عليها قوله : فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ في التفسير الثالث : أو ضمير ( هاوية ) : والهاء للسكت فإذا وصل جاز حذفها والاختيار الوقف بالهاء لا تباع المصحف والهاء ثابتة فيه ، وذكرنا الكلام في هذه الهاء عند قوله : لَمْ يَتَسَنَّهْ [ البقرة : 259 ] فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ [ الحاقة : 28 ] . ثم قال تعالى : [ سورة القارعة ( 101 ) : آية 11 ] نارٌ حامِيَةٌ ( 11 ) والمعنى أن سائر النيران بالنسبة إليها كأنها ليست حامية ، وهذا القدر كاف في التنبيه على قوة سخونتها ، نعوذ باللّه منها ومن جميع أنواع العذاب ، ونسأله التوفيق وحسن المآب ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد .