فخر الدين الرازي

256

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

السؤال الرابع : لفظ التحديث يفيد الاستئناس وهناك لا استئناس فما وجه هذا اللفظ الجواب : أن الأرض كأنها تبث شكواها إلى أولياء اللّه وملائكته . أما قوله تعالى : [ سورة الزلزلة ( 99 ) : آية 5 ] بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها ( 5 ) ففيه سؤالان : السؤال الأول : بم تعلقت الباء في قوله : بِأَنَّ رَبَّكَ ؟ الجواب : بتحدث ، ومعناه تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها . السؤال الثاني : لم لم يقل أوحى إليها ؟ الجواب : فيه وجهان الأول : قال أبو عبيدة : أَوْحى لَها أي أوحى إليها وأنشد العجاج : « أوحى لها القرار فاستقرت » الثاني : لعله إنما قال لها : أي فعلنا ذلك لأجلها حتى تتوسل الأرض بذلك إلى التشفي من العصاة . [ سورة الزلزلة ( 99 ) : آية 6 ] يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ ( 6 ) الصدور ضد الورد فالوارد الجائي والصادر المنصرف وأشتاتا متفرقين ، فيحتمل أن يردوا الأرض ، ثم يصدرون عنها الأرض إلى عرصة القيامة ، ويحتمل أن يردوا عرصة القيامة للمحاسبة ثم يصدرون عنها إلى موضع الثواب والعقاب ، فإن قوله : أَشْتاتاً أقرب إلى الوجه الأول ولفظة الصدر أقرب إلى الوجه الثاني ، وقوله : لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ أقرب إلى الوجه الأول لأن رؤية أعمالهم مكتوبة في الصحائف أقرب إلى الحقيقة من رؤية جزاء الأعمال ، وإن صح أيضا أن يحمل على رؤية جزاء الأعمال ، وقوله : أَشْتاتاً فيه وجوه أحدها : أن بعضهم يذهب إلى الموقف راكبا مع الثياب الحسنة وبياض الوجه والمنادي ينادي بين يديه : هذا ولي اللّه ، وآخرون يذهب بهم سود الوجوه حفاة عراة مع السلاسل والأغلال والمنادي ينادي بين يديه هذا عدو اللّه وثانيها : أَشْتاتاً أي كل فريق مع شكله ، اليهودي مع اليهودي ، والنصراني مع النصراني وثالثها : أشتاتا من أقطار الأرض من كل ناحية ، ثم إنه سبحانه ذكر المقصود وقال : لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ قال بعضهم : ليروا صحائف أعمالهم ، لأن الكتابة يوضع بين يدي الرجل فيقول : هذا طلاقك وبيعك هل تراه والمرئي وهو الكتاب وقال آخرون : ليروا جزاء أعمالهم ، وهو الجنة أو النار ، وإنما أوقع اسم العمل على الجزاء لأنه الجزاء وفاق ، فكأنه / نفس العمل بل المجاز في ذلك أدخل من الحقيقة ، وفي قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلم : لِيُرَوْا بالفتح . ثم قال تعالى : [ سورة الزلزلة ( 99 ) : الآيات 7 إلى 8 ] فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : مِثْقالَ ذَرَّةٍ أي زنة ذرة قال الكلبي : الذرة أصغر النمل ، وقال ابن عباس : إذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها فكل واحد مما لزق به من التراب مثقال ذرة فليس من عبد عمل خيرا أو شرا ،