فخر الدين الرازي
257
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قليلا كان أو كثيرا إلا أراه اللّه تعالى إياه . المسألة الثانية : في رواية عن عاصم : يره برفع الياء وقرأ الباقون : يَرَهُ بفتحها وقرأ بعضهم : يره بالجزم . المسألة الثالثة : في الآية إشكال وهو أن حسنات الكافر محبطة بكفره وسيئات المؤمن مغفورة ، إما ابتداء وإما بسبب اجتناب الكبائر ، فما معنى الجزاء بمثاقيل الذرة من الخير والشر ؟ . واعلم أن المفسرين أجابوا عنه من وجوه : أحدها : قال أحمد بن كعب القرظي : فمن يعمل مثقال ذرة من خير وهو كافر فإنه يرى ثواب ذلك في الدنيا حتى يلقى الآخرة ، وليس له فيها شيء ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا ، ويدل على صحة هذا التأويل ما روى أنه عليه السلام قال لأبي بكر : « يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر اللّه لك مثاقيل الخير حتى توفاها يوم القيامة » وثانيها : قال ابن عباس : ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيرا أو شرا إلا أراه اللّه إياه ، فأما المؤمن فيغفر اللّه سيئاته ويثيبه بحسناته ، وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته وثالثها : أن حسنات الكافر وإن كانت محبطة بكفره ولكن الموازنة معتبرة فتقدر تلك الحسنات انحبطت من عقاب كفره ، وكذا القول في الجانب الآخر فلا يكون ذلك قادحا في عموم الآية ورابعها : أن تخصص عموم قوله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ونقول : المراد فمن يعمل من السعداء مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل من الأشقياء مثقال ذرة شرا يره . المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : إذا كان الأمر إلى هذا الحد فأين الكرم ؟ والجواب : هذا هو الكرم ، لأن المعصية وإن قلت ففيها استخفاف ، والكريم لا يحتمله وفي الطاعة تعظيم ، وإن قل فالكريم لا يضيعه ، وكأن اللّه سبحانه يقول لا تحسب مثقال الذرة من الخير صغيرا ، فإنك مع لؤمك وضعفك لم تضيع مني الذرة ، بل اعتبرتها ونظرت فيها ، واستدللت بها على ذاتي وصفاتي واتخذتها مركبا به وصلت إلي ، فإذا لم تضيع ذرتي أفأضيع ذرتك ! ثم التحقيق أن المقصود هو النية والقصد ، فإذا كان العمل قليلا لكن النية خالصة فقد حصل المطلوب ، وإن كان العمل كثيرا والنية دائرة فالمقصود فائت ، ومن ذلك ما روى عن كعب : لا تحقروا شيئا من المعروف ، فإن رجلا دخل الجنة بإعارة إبرة في سبيل اللّه ، وإن امرأة أعانت بحبة في بناء بيت / المقدس فدخلت الجنة . وعن عائشة : « كان بين يديها عنب فقدمته إلى نسوة بحضرتها ، فجاء سائل فأمرت له بحبة من ذلك العنب فضحك بعض من كان عندها ، فقالت : إن فيما ترون مثاقيل الذرة وتلت هذه الآية » ولعلها كان غرضها التعليم ، وإلا فهي كانت في غاية السخاوة . روي « أن ابن الزبير بعث إليها بمائة ألف وثمانين ألف درهم في غرارتين ، فدعت بطبق وجعلت تقسمه بين الناس ، فلما أمست قالت : يا جارية فطوري هلمي فجاءت بخبز وزيت ، فقيل لها : أما أمسكت لنا درهما نشتري به لحما نفطر عليه ، فقالت : لو ذكرتيني لفعلت ذلك » وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في رجلين كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة ويقول ما هذا بشيء ، وإنما نؤجر على ما نعطي ! وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير ويقول : لا شيء على من هذا إنما الوعيد بالنار على الكبائر ، فنزلت هذه الآية ترغيبا في القليل من الخير فإنه يوشك أن يكثر ، وتحذيرا من اليسير من الذنب فإنه يوشك أن يكبر ، ولهذا قال عليه السلام : « اتقوا النار ولو بشق تمرة ، فمن لم يجد فبكلمة طيبة » واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .