فخر الدين الرازي
255
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة الزلزلة ( 99 ) : آية 3 ] وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها ( 3 ) ففيه مسائل : المسألة الأولى : مالها تزلزل هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها ، وذلك إما عند النفخة الأولى حين تلفظ ما فيها من الكنوز والدفائن ، أو عند النفخة الثانية حين تلفظ ما فيها من الأموات . المسألة الثانية : قيل : هذا قول الكافر وهو كما يقولون : مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا [ يس : 52 ] فأما المؤمن فيقول : هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [ يس : 52 ] وقيل : بل هو عام في حق المؤمن والكافر أي الإنسان الذي هو كنود جزوع ظلوم الذي من شأنه الغفلة والجهالة يقول : مالها وهو ليس بسؤال بل هو للتعجب لما يرى من العجائب التي لم تسمع بها الآذان ولا تطلق بها لسان ، ولهذا قال الحسن : إنه للكافر والفاجر معا . المسألة الثالثة : إنما قال : ما لَها على غير المواجهة لأنه يعاتب بهذا الكلام نفسه كأنه يقول : يا نفس ما للأرض تفعل ذلك يعني يا نفس أنت السبب فيه فإنه لولا معاصيك لما صارت الأرض كذلك فالكفار يقولون : هذا الكلام والمؤمنون يقولون : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [ فاطر : 34 ] أما قوله تعالى : [ سورة الزلزلة ( 99 ) : آية 4 ] يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها ( 4 ) فاعلم أن ابن مسعود قرأ : تنبئ أخبارها وسعيد بن جبير تنبئ « 1 » ثم فيه سؤالات : الأول : أين مفعولا تُحَدِّثُ ؟ الجواب : قد حذف أولهما والثاني أخبارها وأصله تحدث الخلق أخبارها إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيما . السؤال الثاني : ما معنى تحديث الأرض ؟ قلنا فيه وجوه : أحدها : وهو قول أبي مسلم يومئذ يتبين لكل أحد جزاء عمله فكأنها حدثت بذلك ، كقولك الدار تحدثنا بأنها كانت مسكونة فكذا انتقاض الأرض بسبب الزلزلة تحدث أن الدنيا قد انقضت وأن الآخرة قد أقبلت والثاني : وهو قول الجمهور : أن اللّه تعالى يجعل الأرض حيوانا عاقلا ناطفا ويعرفها جميع ما عمل أهلها فحينئذ تشهد لمن أطاع وعلى من عصى ، قال عليه السلام : « إن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل عمل عمل عليها » ثم تلا هذه الآية وهذا على مذهبنا غير بعيد لأن البنية عندنا ليست شرطا لقبول الحياة ، فالأرض مع بقائها على شكلها ويبسها وقشفها يخلق اللّه فيها الحياة والنطق ، والمقصود كأن الأرض تشكو من العصاة / وتشكر من أطاع اللّه ، فنقول : إن فلانا صلى وزكى وصام وحج في ، وإن فلانا كفر وزنى وسرق وجار ، حتى يود الكافر أن يساق إلى النار ، وكان علي عليه السلام إذا فرغ بيت المال صلى فيه ركعتين ويقول : لتشهدن أني ملأتك بحق وفرغتك بحق والقول الثالث : وهو قول المعتزلة : أن الكلام يجوز خلقه في الجماد ، فلا يبعد أن يخلق اللّه تعالى في الأرض حال كونها جمادا أصواتا مقطعة مخصوصة فيكون المتكلم والشاهد على هذا التقدير هو اللّه تعالى . السؤال الثالث : ( إذا ) و ( يومئذ ) ما ناصبهما ؟ الجواب : ( يومئذ ) بدل من إذا وناصبهما تُحَدِّثُ .
--> ( 1 ) رسمت في الموضعين تنبئ ، وهي قراءة بالمعنى ويظهر أن الخلاف بين القراءتين ليس في الرسم وإنما في القراءة فإحدى القراءتين بكسر الباء مخففة والثانية بتشديدها .