فخر الدين الرازي
225
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فطعنه ، ولعل هذا معنى قوله : سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ثم لما عرف عجزه ولم يقدر أن يصعد على صدره لضعفه فارتقى إليه بحيلة ، فلما رآه أبو جهل قال : يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقى صعبا ، فقال ابن مسعود : الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ، فقال أبو جهل : بلغ صاحبك أنه لم يكن أحد أبغض إلي منه في حياتي ولا أحد أبغض إلي منه في حال مماتي ، فروي أنه عليه السلام لما سمع ذلك قال : « فرعوني أشد من فرعون موسى فإنه قال آمَنْتُ [ يونس : 90 ] وهو قد زاد عتوا » ثم قال لابن مسعود : اقطع رأسي بسيفي هذا لأنه أحد وأقطع ، فلما قطع رأسه لم يقدر على حمله ، ولعل الحكيم سبحانه إنما خلقه ضعيفا لأجل أن لا يقوى على الحمل لوجوه : أحدها : أنه كلب والكلب يجر والثاني : لشق الأذن فيقتص الأذن بالأذن والثالث : لتحقيق الوعيد المذكور بقوله : لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ فتجر تلك الرأس على مقدمها ، ثم إن ابن مسعود لما لم يطقه شق أذنه وجعل الخيط فيه وجعل يجره إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وجبريل بين يديه يضحك ، ويقول : يا محمد أذن بأذن لكن الرأس هاهنا مع الأذن ، فهذا ما روى في مقتل أبي جهل نقلته معنى لا لفظا ، الخاطئ معنى قوله : لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ . المسألة الرابعة : الناصية شعر الجبهة وقد يسمى مكان الشعر الناصية ، ثم إنه تعالى كنى هاهنا عن الوجه والرأس بالناصية ، ولعل السبب فيه أن أبا جهل كان شديد الاهتمام بترجيل تلك الناصية وتطييبها ، وربما كان يهتم أيضا بتسويدها فأخبره اللّه تعالى أنه يسودها مع الوجه . المسألة الخامسة : أنه تعالى عرف الناصية بحرف التعريف كأنه تعالى يقول : الناصية المعروفة عندكم ذاتها لكنها مجهولة عندكم صفاتها ناصية وأي ناصية كاذبة قولا خاطئة فعلا ، وإنما وصف بالكذب لأنه كان كاذبا على اللّه تعالى في أنه لم يرسل محمدا وكاذبا على رسوله في أنه ساحر أو كذاب أوليس بنبي ، وقيل : كذبه أنه قال : أنا أكثر أهل هذا الوادي ناديا ، ووصف الناصية بأنها خاطئة لأن صاحبها متمرد على اللّه تعالى قال اللّه تعالى : لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ [ الحاقة : 37 ] والفرق بين الخاطئ والمخطئ أن الخاطئ معاقب مؤاخذ والمخطئ غير مؤاخذ ، ووصف الناصية بالخاطئة الكاذبة كما وصف الوجوه بأنها ناظرة في قوله تعالى : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 23 ] . المسألة السادسة : ناصِيَةٍ بدل من الناصية ، وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة ، لأنها وصفت فاستقلت بفائدة . المسألة السابعة : قرئ ناصية بالرفع والتقدير هي ناصية ، وناصية بالنصب وكلاهما على الشتم ، واعلم أن الرسول عليه السلام لما أغلظ في القول لأبي جهل وتلا عليه هذه الآيات ، قال : يا محمد بمن تهددني وأني لأكثر هذا الوادي ناديا ، فافتخر بجماعته الذين كانوا يأكلون حطامه ، فنزل قوله تعالى : [ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 17 إلى 18 ] فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ( 17 ) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ( 18 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : قد مر تفسير النادي عند قوله : وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ [ العنكبوت : 29 ] قال أبو عبيدة : ناديه أي أهل مجلسه ، وبالجملة فالمراد من النادي أهل النادي ، ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه