فخر الدين الرازي
226
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أهله ، وسمي ناديا لأن القوم يندون إليه ندا وندوة ، ومنه دار الندوة بمكة ، وكانوا يجتمعون فيها للتشاور ، وقيل : سمي ناديا لأنه مجلس الندى والجود ، ذكر ذلك على سبيل التهكم أي : اجمع أهل الكرم والدفاع في زعمك لينصروك . المسألة الثانية : قال أبو عبيدة والمبرد : واحد الزبانية زبنية وأصله من زبنية إذا دفعته وهو متمرد من إنس أو جن ، ومثله في المعنى والتقدير عفرية يقال : فلان زبنية عفرية ، وقال الأخفش : قال بعضهم واحده الزباني ، وقال آخرون : الزابن ، وقال آخرون : هذا من الجمع الذي لا واحد له من لفظه في لغة الغرب مثل أبابيل وعباديد وبالجملة فالمراد ملائكة العذاب ، ولا شك أنهم مخصوصون بقوة شديدة . وقال مقاتل : هم خزنة جهنم أرجلهم في الأرض ورؤسهم في السماء ، وقال قتادة : الزبانية هم الشرط في كلام العرب وهم الملائكة الغلاظ الشداد ، وملائكة النار سموا الزبانية لأنهم يزبنون الكفار أي يدفعونهم في جهنم . المسألة الثالثة : في الآية قولان : الأول : أي فليفعل ما ذكره من أنه يدعو أنصاره ويستعين بهم في مباطلة محمد ، فإنه لو فعل ذلك فنحن ندعو الزبانية الذين لا طاقة لناديه وقومه بهم ، قال ابن عباس : لو دعا ناديه لأخذته الزبانية من ساعته معاينة ، وقيل : هذا إخبار من اللّه تعالى بأنه يجر في الدنيا كالكلب وقد فعل به ذلك يوم بدر ، وقيل : بل هذا إخبار بأن الزبانية يجرونه في الآخرة إلى النار القول الثاني : أن في الآية تقديما وتأخيرا أي لنسفعا بالناصية وسندع الزبانية في الآخرة ، فليدع هو ناديه حينئذ فليمنعوه . المسألة الرابعة : الفاء في قوله : فَلْيَدْعُ نادِيَهُ تدل على المعجز ، لأن هذا يكون تحريضا للكافر على دعوة ناديه وقومه ، ومتى فعل الكافر ذلك ترتب عليه دعوة الزبانية ، فلما لم يجترئ الكافر على ذلك دل على ظهور معجزة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . المسألة الخامسة : قرئ : ستدعى على المجهول ، وهذه السين ليست للشك « 1 » فإن عسى / من اللّه واجب الوقوع ، وخصوصا عند بشارة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأن ينتقم له من عدوه ، ولعل فائدة السين هو المراد من قوله عليه السلام : « لأنصرنك ولو بعد حين » . [ سورة العلق ( 96 ) : آية 19 ] كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ( 19 ) ثم قال : كَلَّا وهو ردع لأبي جهل ، وقيل : معناه لن يصل إلى ما يتصلف به من أنه يدعو ناديه ولئن دعاهم لن ينفعوه ولن ينصروه ، وهو أذل وأحقر من أن يقاومك ، ويحتمل : لن ينال ما يتمنى من طاعتك له حين نهاك عن الصلاة ، وقيل معناه : ألا لا تطعه . ثم قال : لا تُطِعْهُ وهو كقوله : فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ [ القلم : 8 ] ، وَاسْجُدْ وعند أكثر أهل التأويل أراد به صل وتوفر على عبادة اللّه تعالى فعلا وإبلاغا ، وليقل فكرك في هذا العدو فإن اللّه مقويك وناصرك ، وقال بعضهم : بل المراد الخضوع ، وقال آخرون : بل المراد نفس السجود في الصلاة . ثم قال : وَاقْتَرِبْ والمراد وابتغ بسجودك قرب المنزلة من ربك ، وفي الحديث : « أقرب ما يكون العبد
--> ( 1 ) السين من معانيها التأكيد للوعد والوعيد ، نحو قوله تعالى : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ونحو سأنتقم منك ، ولم أقل على أنها للشك ولعل الإمام أراد التأكيد بنفي مقابله وهو الشك . لأن أبا جهل كان شاكا في الآخرة .