فخر الدين الرازي
365
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
كالمولود من العقول التي فوقه ، فالحق سبحانه وتعالى نفى الوالدية أولا ، كأنه قيل : إنه لم يلد العقول والنفوس ، ثم قال : والشيء الذي هو مدبر أجسادكم وأرواحكم وعالمكم هذا ليس مولودا من شيء آخر ، فلا والد ولا مولود ولا مؤثر إلا الواحد الذي هو الحق سبحانه . [ سورة الإخلاص ( 112 ) : آية 4 ] وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 ) فيه سؤالان : السؤال الأول : الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم ، وقد نص سيبويه على ذلك في « كتابه » ، فما باله ورد مقدما في أفصح الكلام ؟ والجواب : هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات اللّه ، واللفظ الدال على هذا المعنى هو هذا الظرف ، وتقديم الأهم أولى ، فلهذا السبب كان هذا الظرف مستحقا للتقديم . السؤال الثاني : كيف القراءة في هذه الآية ؟ الجواب : قرئ : كُفُواً بضم الكاف والفاء وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء ، والأصل هو الضم ثم يخفف مثل طنب وطنب وعنق وعنق ، وقال أبو عبيدة : يقال كفو وكفء وكفاء كله بمعنى واحد وهو المثل ، وللمفسرين فيه أقاويل أحدها : قال كعب وعطاء : لم يكن له مثل ولا عديل ، ومنه المكافأة في الجزاء لأنه / يعطيه ما يساوي ما أعطاه وثانيها : قال مجاهد : لم يكن [ له ] صاحبة كأنه سبحانه وتعالى قال : لم يكن أحد كفؤا له فيصاهره ، ردا على من حكى اللّه عنه قوله : وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [ الصافات : 158 ] فتفسير هذه الآية كالتأكيد لقوله تعالى : لَمْ يَلِدْ وثالثها : وهو التحقيق أنه تعالى لما بين أنه هو المصمود إليه في قضاء الحوائج ونفي الوسائط من البين بقوله : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ على ما بيناه ، فحينئذ ختم السورة بأن شيئا من الموجودات يمتنع أن يكون مساويا له في شيء من صفات الجلال والعظمة ، أما الوجود فلا مساواة فيه لأن وجوده من مقتضيات حقيقته فإن حقيقته غير قابلة للعدم من حيث هي هي ، وأما سائر الحقائق ، فإنها قابلة للعدم ، وأما العلم فلا مساواة فيه لأن علمه ليس بضروري ولا باستدلالي ولا مستفاد من الحس ولا من الرؤية ولا يكون في معرض الغلط والزلل وعلوم المحدثات كذلك ، وأما القدرة فلا مساواة فيها وكذا الرحمة والجود والعدل والفضل والإحسان . واعلم أن هذه السورة أربع آيات ، وفي ترتيبها أنواع من الفوائد : الفائدة الأولى : أن أول السورة يدل على أنه سبحانه واحد ، والصمد على أنه كريم رحيم لأنه لا يصمد إليه حتى يكون محسنا و : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ على أنه غني على الإطلاق ومنزه عن التغيرات فلا يبخل بشيء أصلا ، ولا يكون جوده لأجل جر نفع أو دفع ضر ، بل بمحض الإحسان وقوله : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ إشارة إلى نفي ما لا يجوز عليه من الصفات . الفائدة الثانية : نفى اللّه تعالى عن ذاته أنواع الكثرة بقوله : أَحَدٌ ونفى النقص والمغلوبية بلفظ الصمد ، ونفى المعلولية والعلية بلم يلد ولم يولد ، ونفى الأضداد والأنداد بقوله : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ . الفائدة الثالثة : قوله : أَحَدٌ يبطل مذهب الثنوية القائلين بالنور والظلمة ، والنصارى في التثليث ، والصابئين في الأفلاك والنجوم ، والآية الثانية تبطل مذهب من أثبت خالقا سوى اللّه لأنه لو وجد خالق آخر لما