فخر الدين الرازي
364
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
السبب بدأ بالأهم فقال : لَمْ يَلِدْ ثم أشار إلى الحجة فقال : وَلَمْ يُولَدْ كأنه قيل : الدليل على امتناع الولدية اتفاقنا على أنه ما كان ولدا لغيره . السؤال الثاني : لما ذا اقتصر على ذكر الماضي فقال : لَمْ يَلِدْ ولم يقل : لن يلد ؟ الجواب : إنما اقتصر على ذلك لأنه ورد جوابا عن قولهم ولد اللّه والدليل عليه قوله تعالى : أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ [ الصافات : 151 ، 152 ] فلما كان المقصود من هذه الآية تكذيب قولهم وهم إنما قالوا ذلك في الماضي ، لا جرم وردت الآية على وفق قولهم : السؤال الثالث : لم قال هاهنا : لَمْ يَلِدْ وقال في سورة بني إسرائيل : وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [ الإسراء : 111 ] ؟ الجواب : أن الولد يكون على وجهين : أحدهما : أن يتولد منه مثله وهذا هو الولد الحقيقي والثاني : أن لا يكون متولدا منه ولكنه يتخذه ولدا ويسميه هذا الاسم ، وإن لم يكن ولدا له في الحقيقة ، والنصارى فريقان : منهم من قال : عيسى ولد اللّه حقيقة ، ومنهم من قال : إن اللّه اتخذه ولدا تشريفا له ، كما اتخذ إبراهيم خليلا تشريفا له ، فقوله : لَمْ يَلِدْ فيه إشارة إلى نفي الوالد في الحقيقة ، وقوله : لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً * إشارة إلى نفي القسم الثاني ، ولهذا قال : لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ * [ الإسراء : 111 ] لأن الإنسان قد يتخذ ولدا ليكون ناصرا ومعينا له على الأمر المطلوب ، ولذلك قال في سورة أخرى : قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ [ يونس : 68 ] وإشارة إلى ما ذكرنا أن اتخاذ الولد إنما يكون عند الحاجة . السؤال الرابع : نفي كونه تعالى والدا ومولودا ، هل يمكن أن يعلم بالسمع أم لا ، وإن كان لا يمكن ذلك فما الفائدة في ذكره هاهنا ؟ الجواب : نفي كونه تعالى والدا مستفاد من العلم بأنه تعالى ليس بجسم ولا متبعض ولا منقسم ، ونفي كونه تعالى مولودا مستفاد من العلم بأنه تعالى / قديم ، والعلم بكل واحد من هذين الأصلين متقدم على العلم بالنبوة والقرآن ، فلا يمكن أن يكونا مستفادين من الدلائل السمعية . بقي أن يقال : فلما لم يكن استفادتهما من السمع ، فما الفائدة في ذكرهما في هذه السورة ؟ قلنا : قد بينا أن المراد من كونه أحدا كونه سبحانه في ذاته وماهيته منزها عن جميع أنحاء التراكيب ، وكونه تعالى صمدا معناه كونه واجبا لذاته ممتنع التغير في ذاته وجميع صفاته ، وإذا كان كذلك فالأحدية والصمدية يوجبان نفي الولدية والمولودية ، فلما ذكر السبب الموجب لانتفاء الوالدية والمولودية ، لا جرم ذكر هذين الحكمين ، فالمقصود من ذكرهما تنبيه اللّه تعالى على الدلالة العقلية القاطعة على انتفائهما . السؤال الخامس : هل في قوله تعالى : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ فائدة أزيد من نفي الولدية ونفي المولودية ؟ قلنا : فيه فوائد كثيرة ، وذلك لأن قوله : اللَّهُ أَحَدٌ إشارة إلى كونه تعالى في ذاته وماهيته منزها عن التركيب ، وقوله : اللَّهُ الصَّمَدُ إشارة إلى نفي الأضداد والأنداد والشركاء والأمثال وهذان المقامان الشريفان مما حصل الاتفاق فيهما بين أرباب الملل والأديان ، وبين الفلاسفة ، إلا أن من بعد هذا الموضع حصل الاختلاف بين أرباب الملل وبين الفلاسفة ، فإن الفلاسفة قالوا : إنه يتولد عن واجب الوجود عقل ، وعن العقل عقل آخر ونفس وفلك ، وهكذا على هذا الترتيب حتى ينتهي إلى العقل الذي هو مدبر ما تحت كرة القمر ، فعلى هذا القول يكون واجب الوجود قد ولد العقل الأول الذي هو تحته ، ويكون العقل الذي هو مدبر لعالمنا هذا