فخر الدين الرازي

362

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ألا بكر الناعي بخير بني أسد * بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وقال أيضا : علوته بحسامي ثم قلت له * خذها حذيف فأنت السيد الصمد والدليل على صحة هذا التفسير ما روى ابن عباس : « أنه لما نزلت هذه الآية قالوا : ما الصمد ؟ قال عليه السلام هو السيد الذي يصمد إليه في الحوائج » وقال الليث : صمدت صمد هذا الأمر أي قصدت قصده والقول الثاني : أن الصمد هو الذي لا جوف له ، ومنه يقال : لسداد القارورة الصماد ، وشيء مصمد أي صلب ليس فيه رخاوة ، وقال قتادة : وعلى هذا التفسير : الدال فيه مبدلة من التاء وهو المصمت ، وقال بعض المتأخرين من أهل اللغة : الصمد هو الأملس من الحجر الذي لا يقبل الغبار ولا يدخله شيء ولا يخرج منه شيء ، واعلم أنه قد استدل قوم من جهال المشبهة بهذه الآية في أنه تعالى جسم ، وهذا باطل لأنا بينا أن كونه أحدا ينافي جسما فمقدمة هذا الآية دالة على أنه لا يمكن أن يكون المراد من الصمد هذا المعنى ، ولأن الصمد بهذا التفسير صفة الأجسام المتضاغطة وتعالى اللّه عن ذلك ، فإذن يجب أن يحمل ذلك على مجازه ، وذلك لأن الجسم الذي يكون كذلك يكون عديم الانفعال والتأثر عن الغير وذلك إشارة إلى كونه سبحانه واجبا لذاته ممتنع التغير في وجوده وبقائه وجميع صفاته ، فهذا ما يتعلق بالبحث اللغوي في هذه الآية . وأما المفسرون فقد نقل عنهم وجوه ، بعضها يليق بالوجه الأول وهو كونه تعالى سيدا مرجوعا إليه في دفع الحاجات ، وهو إشارة إلى الصفات الإضافية ، وبعضها بالوجه الثاني وهو كونه تعالى واجب الوجود في ذاته وفي صفاته ممتنع التغير فيهما وهو إشارة إلى الصفات السلبية وتارة يفسرون الصمد بما يكون جامعا للوجهين . أما النوع الأول : فذكروا فيه وجوها : الأول : الصمد هو العالم بجميع المعلومات لأن كونه سيدا مرجوعا إليه في قضاء الحاجات لا يتم إلا بذلك الثاني : الصمد هو الحليم لأن كونه سيدا يقتضي الحلم والكرم الثالث : وهو قول ابن مسعود والضحاك الصمد هو السيد الذي قد انتهى سؤدده الرابع : قال الأصم : الصمد هو الخالق للأشياء ، وذلك لأن كونه سيدا يقتضي ذلك الخامس : قال السدي : الصمد هو المقصود في الرغائب ، المستغاث به عند المصائب السادس : قال الحسين بن الفضل البجلي : الصمد هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، لا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه السابع : أنه السيد المعظم الثامن : أنه الفرد الماجد لا يقضي في أمر دونه . وأما النوع الثاني : وهو الإشارة إلى الصفات السلبية فذكروا فيه وجوها : الأول : الصمد هو الغني على ما قال : هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * [ الحديد : 24 ] الثاني : الصمد الذي ليس فوقه أحد لقوله : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ * [ الأنعام : 18 ] ولا يخاف من فوقه ، ولا يرجو من دونه ترفع الحوائج إليه الثالث : قال قتادة : لا يأكل ولا يشرب : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [ الأنعام : 14 ] الرابع : قال قتادة : الباقي بعد فناء خلقه : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [ الرحمن : 26 ] الخامس : قال الحسن البصري : الذي لم يزل ولا يزال ، ولا يجوز عليه الزوال كان ولامكان ، ولا أين ولا أوان ، ولا عرش ولا كرسي ، ولا جني ولا إنسي وهو الآن كما كان السادس : قال أبي بن