فخر الدين الرازي

358

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

هو اللّه أحد » ومما يدل عليه أن القول بالثلاثة سبب لخراب السماوات والأرض بدليل قوله : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ [ مريم : 90 ] فوجب أن يكون التوحيد سببا لعمارة هذه الأشياء وقيل السبب فيه معنى قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] الرابع عشر : سورة المانعة روى ابن عباس أنه تعالى قال : لنبيه حين عرج به أعطيتك سورة الإخلاص وهي من ذخائر كنوز عرشي ، وهي المانعة تمنع عذاب القبر ولفحات النيران الخامس عشر : سورة المحضر لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت السادس عشر : المنفرة لأن الشيطان ينفر عند قراءتها السابع عشر : البراءة لأنه روي أنه عليه السلام رأى رجل يقرأ هذه السورة فقال : أما هذا فقد برئ من الشرك ، و قال عليه السلام : من قرأ سورة قل هو اللّه أحد مائة مرة في صلاة أو في غيرها كتبت له براءة من النار الثامن عشر : سورة المذكرة لأنها تذكر العبد خالص التوحيد فقراءة السورة كالوسمة تذكرك ما تتغافل عنه مما أنت محتاج إليه التاسع عشر : سورة النور قال اللّه تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] فهو المنور للسموات والأرض ، والسورة تنور قلبك وقال عليه السلام : « إن كل شيء نور ونور القرآن قل هو اللّه أحد » ونظيره أن نور الإنسان في أصغر أعضائه وهو الحدقة ، فصارت السورة للقرآن كالحدقة للإنسان العشرون : سورة الأمان قال عليه السلام : « إذا قال العبد لا إله إلا اللّه دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي » . الفصل الرابع : في فضائل هذه السورة وهي من وجوه الأول : اشتهر في الأحاديث أن قراءة هذه السورة تعدل قراءة ثلث القرآن ، ولعل الغرض منه أن المقصود الأشرف من جميع الشرائع والعبادات ، معرفة ذات اللّه ومعرفة صفاته ومعرفة أفعاله ، وهذه السورة مشتملة / على معرفة الذات ، فكانت هذه السورة معادلة لثلث القرآن ، وأما سورة : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ فهي معادلة لربع القرآن ، لأن المقصود من القرآن إما الفعل وإما الترك وكل واحد منهما فهو إما في أفعال القلوب وإما في أفعال الجوارح فالأقسام أربعة ، وسورة : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لبيان ما ينبغي تركه من أفعال القلوب ، فكانت في الحقيقة مشتملة على ربع القرآن ، ومن هذا السبب اشتركت السورتان أعني : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ، و : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ في بعض الأسامي فهما المقشقشتان والمبرئتان ، من حيث إن كل واحدة منهما تفيد براءة القلب عما سوى اللّه تعالى ، إلا أن : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ يفيد بلفظه البراءة عما سوى اللّه وملازمة الاشتغال باللّه و : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يفيد بلفظه الاشتغال باللّه وملازمة الإعراض عن غير اللّه أو من حيث إن : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ تفيد براءة القلب عن سائر المعبودين سوى اللّه ، و : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تفيد براءة المعبود عن كل ما لا يليق به الوجه الثاني : وهو أن ليلة القدر لكونها صدقا للقرآن كانت خيرا من ألف شهر فالقرآن كله صدف والدر هو قوله : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فلا جرم حصلت لها هذه الفضيلة الوجه الثالث : وهو أن الدليل العقلي دل على أن أعظم درجات العبد أن يكون قلبه مستنيرا بنور جلال اللّه وكبريائه ، وذلك لا يحصل إلا من هذه السورة ، فكانت هذه السورة أعظم السور ، فإن قيل : فصفات اللّه أيضا مذكورة في سائر السور ، قلنا : لكن هذه السورة لها خاصية وهي أنها لصغرها في الصورة تبقى محفوظة في القلوب معلومة للعقول فيكون ذكر جلال اللّه حاضرا أبدا بهذا السبب ، فلا جرم امتازت عن سائر السور بهذه الفضائل ولنرجع الآن إلى التفسير . قوله تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فيه مسائل :