فخر الدين الرازي
359
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الأولى : اعلم أن معرفة اللّه تعالى جنة حاضرة إذ الجنة أن تنال ما يوافق عقلك وشهوتك ، ولذلك لم تكن الجنة جنة لآدم لما نازع عقله هواه ، ولا كان القبر سجنا على المؤمن لأنه حصل له هناك ما يلائم عقله وهواه ، ثم إن معرفة اللّه تعالى مما يريدها الهوى والعقل ، فصارت جنة مطلقة ، وبيان ما قلنا : أن العقل يريد أمينا تودع عنده الحسنات ، والشهوة تريد غنيا يطلب منه المستلذات ، بل العقل كالإنسان الذي له همة عالية فلا ينقاد إلا لمولاه ، والهوى كالمنتجع الذي إذا سمع حضور غني ، فإنه ينشط للانتجاع إليه ، بل العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له النعم الماضية والهوى يطلبها ليطمع منه في النعم المتربصة ، فلما عرفاه كما أراده عالما وغنيا تعلقا بذيله ، فقال العقل : لا أشكر أحدا سواك ، وقالت الشهوة : لا أسأل أحدا إلا إياك ، ثم جاءت الشبهة فقالت : يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلا ؟ ويا شهوة كيف اقتصرت عليه ولعل هاهنا بابا آخر ؟ فبقي العقل متحيرا وتنغصت عليه تلك الراحة ، فأراد أن يسافر في عالم الاستدلال ليفوز بجوهرة اليقين فكأن الحق سبحانه قال : كيف أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري ، فبعث اللّه رسوله وقال : لا تقله من عند نفسك ، بل قل هو الذي عرفته صادقا / يقول لي : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فعرفك الوحدانية بالسمع وكفاك مؤنة النظر والاستدلال بالعقل ، وتحقيقه أن المطالب على ثلاثة أقسام قسم منها لا يمكن الوصول إليه بالسمع وهو كل ما تتوقف صحة السمع على صحته كالعلم بذات اللّه تعالى وعلمه وقدرته وصحة المعجزات ، وقسم منها لا يمكن الوصول إليه إلا بالسمع وهو وقوع كل ما علم بالعقل جواز وقوعه وقسم ثالث يمكن الوصول إليه بالعقل والسمع معا ، وهو كالعلم بأنه واحد وبأنه مرئي إلى غيرهما ، وقد استقصينا في تقرير دلائل الوحدانية في تفسير قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] . المسألة الثانية : اعلم أنهم أجمعوا على أنه لا بد في سورة : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ من قل وأجمعوا على أنه لا يجوز لفظ قل في سورة : تَبَّتْ وأما في هذه السورة فقد اختلفوا ، فالقراءة المشهورة : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقرأ أبي وابن مسعود بغير قل هكذا : هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ، بدون ( قل هو ) هكذا : اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ فمن أثبت قل قال : السبب فيه بيان أن النظم ليس في مقدوره ، بل يحكي كل ما يقال له ، ومن حذفه قال : لئلا يتوهم أن ذلك ما كان معلوما للنبي عليه الصلاة والسلام . المسألة الثالثة : اعلم أن في إعراب هذه الآية وجوها أحدها : أن هو كناية عن اسم اللّه ، فيكون قوله : اللّه مرتفعا بأنه خبر مبتدأ ، ويجوز في قوله : أَحَدٌ ما يجوز في قولك : زيد أخوك قائم الثاني : أن هو كناية عن الشأن ، وعلى هذا التقرير يكون اللّه مرتفعا بالابتداء وأحد خبره ، والجملة تكون خبرا عن هو ، والتقدير الشأن والحديث : هو أن اللّه أحد ، ونظيره قوله : فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الأنبياء : 97 ] إلا أن هي جاءت على التأنيث ، لأن في التفسير : اسما مؤنثا ، وعلى هذا جاء : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ [ الحج : 46 ] أما إذا لم يكن في التفسير مؤنث لم يؤنث ضمير القصة كقوله : إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً [ طه : 74 ] والثالث : قال الزجاج : تقدير هذه الآية أن هذا الذي سألتم عنه هو اللّه أحد . المسألة الرابعة : في أَحَدٌ وجهان أحدهما : أنه بمعنى واحد ، قال الخليل ، يجوز أن يقال : أحد اثنان وأصل أحد وحد إلا أنه قلبت الواو همزة للتخفيف وأكثر ما يفعلون هذا بالواو المضمومة والمكسورة كقولهم : وجوه وأجوه وسادة وأسادة والقول الثاني : أن الواحد والأحد ليسا اسمين مترادفين قال الأزهري : لا يوصف