فخر الدين الرازي

213

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

33 ] وقال : وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ [ الشورى : 48 ] . والقول الثاني : ما ذكره مجاهد والحسن ثم رددناه إلى النار ، قال علي عليه السلام : وضع أبواب جهنم بعضها أسفل من بعض فيبدأ بالأسفل فيملأ وهو أسفل سافلين ، وعلى هذا التقدير فالمعنى ثم رددناه إلى أسفل سافلين إلى النار . [ سورة التين ( 95 ) : آية 6 ] إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 6 ) أما قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فاعلم أن هذا الاستثناء على القول الأول منقطع ، والمعنى ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم على طاعتهم وصبرهم على ابتلاء اللّه إياهم بالشيخوخة والهرم ، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة وعلى تخاذل نهوضهم ، وأما على القول الثاني فالاستثناء متصل ظاهر الاتصال . أما قوله تعالى : فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ففيه قولان : أحدهما : غير منقوص ولا مقطوع وثانيهما : أجر غير ممنون أي لا يمن به عليهم ، واعلم أن كل ذلك من صفات الثواب ، لأنه يجب أن يكون غير منقطع وأن لا يكون منغصا بالمنة . ثم قال تعالى : [ سورة التين ( 95 ) : آية 7 ] فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ( 7 ) وفيه سؤالان : الأولى : من المخاطب بقوله : فَما يُكَذِّبُكَ ؟ الجواب فيه قولان : أحدهما : أنه خطاب للإنسان على طريقة الالتفات ، والمراد من قوله : فَما يُكَذِّبُكَ أن كل من أخبر عن الواقع بأنه لا يقع فهو كاذب ، والمعنى فما الذي يلجئك إلى هذا الكذب والثاني : وهو اختيار الفراء أنه خطاب مع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمعنى فمن يكذبك يا أيها الرسول بعد ظهور هذه الدلائل بالدين . السؤال الثاني : ما وجه التعجب ؟ الجواب : أن خلق الإنسان من النطفة وتقويمه بشرا سويا وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي ، تم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر دليل واضح على قدرة الخالق على الحشر والنشر ، فمن شاهد هذه الحالة ثم بقي مصرا على إنكار الحشر فلا شيء أعجب منه . ثم قال تعالى : [ سورة التين ( 95 ) : آية 8 ] أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ( 8 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكروا في تفسيره وجهين أحدهما : أن هذا تحقيق لما ذكر من خلق الإنسان ثم رده إلى أرذل العمر ، يقول اللّه تعالى : أليس الذي فعل ذلك بأحكم الحاكمين صنعا وتدبيرا ، وإذا ثبتت القدرة والحكمة بهذه الدلالة صح القول بإمكان الحشر ووقوعه ، أما الإمكان فبالنظر إلى القدرة ، وأما الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح في الحكمة ، كما قال تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ