فخر الدين الرازي
85
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الصفة الأولى : سببه وفيه وجوه أحدها : وهو الأصح أن الناس يقومون لمحاسبة رب العالمين ، فيظهر هناك هذا التطفيف الذي يظن أنه حقير ، فيعرف هناك كثرته واجتماعه ، ويقرب منه قوله تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] وثانيها : أنه سبحانه يرد الأرواح إلى أجسادها فتقوم تلك الأجساد من مراقدها ، فذاك هو المراد من قوله : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وثالثها : قال أبو مسلم معنى : يَقُومُ النَّاسُ هو كقوله : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [ البقرة : 238 ] أي لعبادته فقوله : يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أي لمحض أمره وطاعته لا لشيء آخر ، على ما قرره في قوله : وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الانفطار : 19 ] . الصفة الثانية : كيفية ذلك القيام ، روي عن ابن عمر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ قال : « يقوم أحدكم في رشحه إلى أنصاف أذنيه » و عن ابن عمر : أنه قرأ هذه السورة ، فلما بلغ قوله يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ بكى نحيبا حتى عجز عن قراءة ما بعده » . الصفة الثالثة : كمية ذلك القيام ، روي عنه عليه السلام أنه قال : « يقوم الناس مقدار ثلاثمائة سنة من الدنيا لا يؤمر فيهم بأمر » وعن ابن مسعود : « يمكثون أربعين عاما ثم يخاطبون » وقال ابن عباس : وهو في حق المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة . واعلم أنه سبحانه جمع في هذه الآية أنواعا من التهديد ، فقال أولا : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [ المطففين : 1 ] وهذه / الكلمة تذكر عند نزول البلاء ، ثم قال ثانيا : أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ وهو استفهام بمعنى الإنكار ، ثم قال ثالثا : لِيَوْمٍ عَظِيمٍ والشيء الذي يستعظمه اللّه لا شك أنه في غاية العظمة ، ثم قال رابعا : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وفيه نوعان من التهديد أحدهما : كونهم قائمين مع غاية الخشوع ونهاية الذلة والانكسار والثاني : أنه وصف نفسه بكونه ربا للعالمين ، ثم هاهنا سؤال وهو كأنه قال قائل : كيف يليق بك مع غاية عظمتك أي تهيء هذا المحفل العظيم الذي هو محفل القيلة لأجل الشيء الحقير الطفيف ؟ فكأنه سبحانه يجيب ، فيقول عظمة الإلهية لا تتم إلا بالعظمة في القدرة والعظمة في الحكمة ، فعظمة القدرة ظهرت بكوني ربا للعالمين ، لكن عظمة الحكمة لا تظهر إلا بأن انتصف للمظلوم من الظالم بسبب ذلك القدر الحقير الطفيف ، فإن الشيء كلما كان أحقر وأصغر كان العلم الواصل إليه أعظم وأتم ، فلأجل إظهار العظمة في الحكمة أحضرت خلق الأولين والآخرين في محفل القيامة ، وحاسبت المطفف لأجل ذلك القدر الطفيف . وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري : لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل ، وفي إظهار العيب وإخفائه ، وفي طلب الإنصاف والانتصاف ، ويقال : من لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه ، فليس بمنصف والمعاشرة والصحبة من هذه الجملة ، والذي يرى عيب الناس ، ولا يرى عيب نفسه من هذه الجملة ، ومن طلب حق نفسه من الناس ، ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلبه لنفسه ، فهو من هذه الجملة والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أحد لنفسه حقا . [ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 7 إلى 17 ] كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ( 7 ) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ( 8 ) كِتابٌ مَرْقُومٌ ( 9 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 10 ) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 11 ) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ( 12 ) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 13 ) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ ( 16 ) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 17 )