فخر الدين الرازي

86

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

واعلم أنه سبحانه لما بين عظم هذا الذنب أتبعه بذكر لواحقه وأحكامه فأولها : قوله : كَلَّا والمفسرون ذكروا فيه وجوها الأول : أنه ردع وتنبيه أي ليس الأمر على ما هم عليه من التطفيف والغفلة ، عن ذكر البعث والحساب فليرتدعوا ، وتمام الكلام هاهنا الثاني : قال أبو حاتم : كَلَّا ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وهو قول الحسن . النوع الثاني : أنه تعالى وصف كتاب الفجار بالخيبة والحقارة على سبيل الاستخفاف بهم ، وهاهنا سؤالات . السؤال الأول : السجين اسم علم لشيء معين أو اسم مشتق عن معنى ؟ قلنا فيه قولان : الأول : وهو قول جمهور المفسرين : أنه اسم علم على شيء معين ، ثم اختلفوا فيه ، فالأكثرون على أنه الأرض السابعة السفلى ، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء وقتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد ، وروى البراء أنه عليه السلام قال : « سجين أسفل سبع أرضين » قال عطاء الخراساني : وفيها إبليس وذريته ، وروى أبو هريرة أنه عليه السلام قال : « سجين جب في جهنم » وقال الكلبي ومجاهد : سجين صخرة تحت الأرض السابعة . القول الثاني : أنه مشتق وسمي سجينا فعيلا من السجن ، وهو الحبس والتضييق كما يقال : فسيق من الفسق ، وهو قول أبي عبيدة والمبرد والزجاج ، قال الواحدي : وهذا ضعيف والدليل على أن سجينا ليس مما كانت العرب تعرفه قوله : وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت وقومك . ولا أقول هذا ضعيف ، فلعله إنما ذكر ذلك تعظيما لأمر سجين . كما في قوله : وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ [ الانفطار : 17 ] قال صاحب « الكشاف » : والصحيح أن السجين فعيل مأخوذ من السجن ، ثم إنه هاهنا اسم علم منقول من صف كحاتم وهو منصرف ، لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف ، إذا عرفت هذا ، فنقول قد ذكرنا أن اللّه تعالى أجرى أمورا مع عباده على ما تعارفوه من التعامل فيما بينهم وبين عظمائهم . فالجنة موصوفة بالعلو والصفاء والفسحة وحضور الملائكة المقربين ، والسجين موصوف بالتسفل والظلمة والضيق وحضور الشياطين الملعونين ، ولا شك أن العلو والصفاء والفسحة وحضور الملائكة المقربين ، كل ذلك من صفات الكمال والعزة ، وأضدادها من صفات النقص والذلة ، فلما أريد وصف الكفرة وكتابهم بالذلة والحقارة ، قيل : إنه في