فخر الدين الرازي
78
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الحجة ، والذي لا يعلم ذلك لا ينتفع بهذه الحجة لاحتمال / أنه تعالى أمرهم بأن يكتبوا تلك الأشياء عليه ظلما وثالثها : أن أفعال القلوب غير مرئية ولا محسوسة فتكون هي من باب المغيبات ، والغيب لا يعلمه إلا اللّه تعالى على ما قال : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ الأنعام : 59 ] وإذا لم تكن هذه الأفعال معلومة للملائكة استحال أن يكتبوها والآية تقضي أن يكونوا كاتبين علينا كل ما نفعله ، سواء كان ذلك من أفعال القلوب أم لا ؟ والجواب : عن الأول : أن هذه الشبهة لا تزال إلا على مذهبنا بناء على أصلين أحدهما : أن البنية ليست شرطا للحياة عندنا والثاني : أي عند سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول سائر الشرائط لا يجب الإدراك ، فعلى الأصل الأول يجوز أن تكون الملائكة أجراما لطيفة تتمزق وتتفرق ولكن تبقى حياتها مع ذلك ، وعلى الأصل الثاني يجوز أن يكونوا أجساما كثيفة لكنا لا نراها والجواب : عن الثاني أن اللّه تعالى إنما أجرى أموره مع عباده على ما يتعاملون به فيما بينهم لأن ذلك أبلغ في تقرير المعنى عندهم ، ولما كان الأبلغ عندهم في المحاسبة إخراج كتاب بشهود خوطبوا بمثل هذا فيما يحاسبون به يوم القيامة ، فيخرج لهم كتب منشورة ، ويحضر هناك ملائكة يشهدون عليهم كما يشهد عدول السلطان على من يعصيه ويخالف أمره ، فيقولون له : أعطاك الملك كذا وكذا ، وفعل بك كذا وكذا ، ثم قد خلفته وفعلت كذا وكذا ، فكذا هاهنا واللّه أعلم بحقيقة ذلك الجواب : عن الثالث أن غاية ما في الباب تخصيص هذا العموم بأفعال الجوارح ، وذلك غير ممتنع . البحث الثاني : أن قوله تعالى : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ وإن كان خطاب مشافهة إلا أن الأمة مجمعة على أن هذا الحكم عام في حق كل المكلفين ، ثم هاهنا احتمالان : أحدهما : أن يكون هناك جمع من الحافظين ، وذلك الجمع يكونون حافظين لجميع بني آدم من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم . وثانيهما : أن يكون الموكل بكل واحد منهم غير الموكل بالآخرة ، ثم يحتمل أن يكون الموكل بكل واحد من بني آدم واحدا من الملائكة لأنه تعالى قابل الجمع بالجمع ، وذلك يقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم جمعا من الملائكة كما قيل : اثنان بالليل ، واثنان بالنهار ، أو كما قيل : إنهم خمسة . البحث الثالث : أنه تعالى وصف هؤلاء الملائكة بصفات أولها : كونهم حافظين وثانيها : كونهم كراما وثالثها : كونهم كاتبين ورابعها : كونهم يعلمون ما تفعلون ، وفيه وجهان أحدهما : أنهم يعلمون تلك الأفعال حتى يمكنهم أن يكتبوها ، وهذا تنبيه على أن الإنسان لا يجوز له الشهادة إلا بعد العلم والثاني : أنهم يكتبونها حتى يكونوا عالمين بها عند أداء الشهادة . واعلم أن وصف اللّه إياهم بهذه الصفات الخمسة يدل على أنه تعالى أثنى عليهم وعظم شأنهم ، وفي تعظيمهم تعظيم لأمر الجزاء ، وأنه عند اللّه تعالى من جلائل الأمور ، ولولا ذلك لما وكل / بضبط ما يحاسب عليه ، هؤلاء العظماء الأكابر ، قال أبو عثمان : من يزجره من المعاصي مراقبة اللّه إياه ، كيف يرده عنها كتابة الكرام الكاتبين . النوع الثالث : من تفاريع مسألة الحشر قوله تعالى : [ سورة الانفطار ( 82 ) : الآيات 13 إلى 16 ] إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ( 14 ) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ ( 15 ) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ ( 16 )