فخر الدين الرازي

79

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اعلم أن اللّه تعالى لما وصف الكرام الكاتبين لأعمال العباد ذكر أحوال العاملين فقال : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وهو نعيم الجنة وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ وهو النار ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : أن القاطعين بوعيد أصحاب الكبائر تمسكوا بهذه الآية ، فقالوا : صاحب الكبيرة فاجر ، والفجار كلهم في الجحيم ، لأن لفظ الجحيم إذا دخل عليه الألف واللام أفاد الاستغراق والكلام في هذه المسألة قد استقصيناه في سورة البقرة ، وهاهنا نكت زائدة لا بد من ذكرها : قالت الوعيدية حصلت في هذه الآية وجوه دالة على دوام الوعيد أحدها : قوله تعالى : يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ ويوم الدين يوم الجزاء ولا وقت إلا ويدخل فيه ، كما تقول يوم الدنيا ويوم الآخرة الثاني : قال الجبائي : لو خصصنا قوله : وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ لكان بعض الفجار يصيرون إلى الجنة ولو صاروا إليها لكانوا من الأبرار وهذا يقتضي أن لا يتميز الفجار عن الأبرار ، وذلك باطل لأن اللّه تعالى ميز بين الأمرين ، فإذن يجب أن لا يدخل الفجار الجنة كما لا يدخل الأبرار النار والثالث : أنه تعالى قال : وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ وهو كقوله : وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها [ المائدة : 37 ] وإذا لم يكن هناك موت ولا غيبة فليس بعدهما إلا الخلود في النار أبد الآبدين ، ولما كان اسم الفاجر يتناول الكافر والمسلم صاحب الكبيرة ثبت بقاء أصحاب الكبائر أبدا في النار ، وثبت أن الشفاعة للمطيعين لا لأهل الكبائر والجواب عنه : أنا بينا أن دلالة ألفاظ العموم على الاستغراق دلالة ظنية ضعيفة والمسألة قطعية . والتمسك بالدليل الظني في المطلوب القطعي غير جائز ، بل هاهنا ما يدل على قولنا : لأن استعمال الجمع المعرف بالألف واللام في المعهود السابق شائع في اللغة ، فيحتمل أن يكون اللفظ هاهنا عائدا إلى الكافرين الذين تقدم ذكرهم من المكذبين بيوم الدين ، والكلام في ذلك قد تقدم على سبيل الاستقصاء ، سلمنا أن العموم يفيد القطع ، لكن لا نسلم أن صاحب الكبيرة فاجر ، والدليل عليه قوله تعالى في حق الكفار : أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [ عبس : 42 ] فلا يخلو إما أن يكون المراد أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الذين يكونون من جنس الفجرة أو المراد أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ وهم الْفَجَرَةُ والأول : باطل لأن كل كافر فهو فاجر بالإجماع ، فتقييد الكافر بالكافر / الذي يكون من جنس الفجرة عبث ، وإذا بطل هذا القسم بقي الثاني ، وذلك يفيد الحصر ، وإذا دلت هذه الآية على أن الكفار هم الفجرة لا غيرهم ، ثبت أن صاحب الكبيرة ليس بفاجر على الإطلاق ، سلمنا إن الفجار يدخل تحته الكافر والمسلم ، لكن قوله : وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ معناه أن مجموع الفجار لا يكونون غائبين ، ونحن نقول بموجبه : فإن أحد نوعي الفجار وهم الكفار لا يغيبون ، وإذا كان كذلك ثبت أن صدق قولنا إن الفجار بأسرهم لا يغيبون ، يكفي فيه أن لا يغيب الكفار ، فلا حاجة في صدقه إلى أن لا يغيب المسلمون ، سلمنا ذلك لكن قوله : وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ يقتضي كونهم في الحال في الجحيم وذلك كذب ، فلا بد من صرفه عن الظاهر ، فهم يحملونه على أنهم بعد الدخول في الجحيم يصدق عليهم قوله : وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ ونحن نحمل ذلك على أنهم في الحال ليسوا غائبين عن استحقاق الكون في الجحيم ، إلا أن ثبوت الاستحقاق لا ينافي العفو ، سلمنا ذلك لكنه معارض بالدلائل الدالة على العفو وعلى ثبوت الشفاعة لأهل