فخر الدين الرازي
54
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فيه قولان : الأول : أي شيء يجعلك داريا بحال هذا الأعمى لعله يتطهر بما يتلقن منك ، من الجهل أو الإثم ، أو يتعظ فتنفعه ذكراك أي موعظتك ، فتكون له لطفا في بعض الطاعات ، وبالجملة فلعل ذلك العلم الذي يتلقفه عنك يطهره عن بعض ما لا ينبغي ، وهو الجهل والمعصية ، أو يشغله ببعض ما ينبغي وهو الطاعة أن الضمير في لعله للكافر ، بمعنى أنت طمعت في أن يزكى الكافر بالإسلام أو يذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق : وَما يُدْرِيكَ أن ما طمعت فيه كائن ، وقرئ فتنفعه بالرفع عطفا على يذكر ، وبالنصب جوابا للعل ، كقوله : فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى [ غافر : 37 ] وقد مر . ثم قال : [ سورة عبس ( 80 ) : آية 5 ] أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) قال عطاء : يريد عن الإيمان ، وقال الكلبي : استغنى عن اللّه ، وقال بعضهم : استغنى أثرى وهو فاسد هاهنا ، لأن إقبال النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن لثروتهم ومالهم حتى يقال له أما من أثرى ، فأنت تقبل عليه ، ولأنه قال : وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى * وَهُوَ يَخْشى [ عبس : 8 ، 9 ] ولم يقل : وهو فقير عديم ، ومن قال : أما من استغنى بماله فهو صحيح ، لأن المعنى أنه استغنى عن الإيمان والقرآن ، بماله من المال . وقوله تعالى : [ سورة عبس ( 80 ) : آية 6 ] فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) قال الزجاج : أي أنت تقبل عليه وتتعرض له وتميل إليه ، يقال تصدى فلان لفلان ، يتصدى إذا تعرض له ، والأصل فيه تصدد يتصدى من الصدد ، وهو ما استقبلك وصار قبالتك ، وقد ذكرنا مثل هذا في قوله : إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً [ الأنفال : 35 ] وقرئ : ( تصدى ) بالتشديد بإدغام التاء في الصاد ، وقرأ أبو جعفر : تصدى ، بضم التاء ، أي تعرض ، ومعناه يدعوك داع إلى التصدي له من الحرص ، والتهالك على إسلامه . ثم قال تعالى : [ سورة عبس ( 80 ) : آية 7 ] وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى ( 7 ) المعنى لا شيء عليك في أن لا يسلم من تدعوه إلى الإسلام ، فإنه ليس عليك إلا البلاغ ، أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم إلى أن تعرض عمن أسلم للاشتغال بدعوتهم . / ثم قال : [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 8 إلى 9 ] وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشى ( 9 ) أن يسرع في طلب الخير ، كقوله : فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الجمعة : 9 ] . وقوله : وَهُوَ يَخْشى فيه ثلاثة أوجه يخشى اللّه ويخافه في أن لا يهتم بأداء تكاليفه ، أو يخشى الكفار وأذاهم في إتيانك ، أو يخشى الكبوة فإنه كان أعمى ، وما كان له قائد . [ ثم قال ] : [ سورة عبس ( 80 ) : آية 10 ] فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ( 10 ) أي تتشاغل من لهى عن الشيء والتهى وتلهى ، وقرأ طلحة بن مصرف . تتلهى ، وقرأ أبو جعفر تَلَهَّى أي يلهيك شأن الصناديد ، فإن قيل قوله : فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى . . . فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى كان فيه اختصاصا ، قلنا نعم ،