فخر الدين الرازي

55

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ومعناه إنكار التصدي والتلهي عنه ، أي مثلك ، خصوصا لا ينبغي أن يتصدى للغني ، ويتلهى عن الفقير . [ سورة عبس ( 80 ) : آية 11 ] كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ ( 11 ) ثم قال : كَلَّا وهو ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله . قال الحسن : لما تلا جبريل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآيات عاد وجهه ، كأنما أسف الرماد فيه ينتظر ما ذا يحكم اللّه عليه ، فلما قال : كَلَّا سرى منه ، أي لا تفعل مثل ذلك ، وقد بينا نحن أن ذلك محمول على ترك الأولى . ثم قال : إِنَّها تَذْكِرَةٌ وفيه سؤالان : الأول : قوله : إِنَّها ضمير المؤنث ، وقوله : فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ [ عبس : 12 ] ضمير المذكر ، والضميران عائدان إلى شيء واحد ، فكيف القول فيه ؟ الجواب : وفيه وجهان الأول : أن قوله : إِنَّها ضمير المؤنث ، قال مقاتل : يعني آيات القرآن ، وقال الكلبي : يعني هذه السورة وهو قول الأخفش والضمير في قوله : فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ عائد إلى التذكرة أيضا ، لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ الثاني : قال صاحب « النظم » : إِنَّها تَذْكِرَةٌ يعني به القرآن والقرآن مذكر إلا أنه لما جعل القرآن تذكرة أخرجه على لفظ التذكرة ، ولو ذكّره لجاز كما قال في موضع آخر : كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ « 1 » [ المدثر : 54 ] والدليل على أن قوله : إِنَّها تَذْكِرَةٌ المراد به القرآن قوله : فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ . السؤال الثاني : كيف اتصال هذه الآية بما قبلها ؟ الجواب : من وجهين الأول : كأنه قيل : هذا التأديب الذي أوحيته إليك وعرفته لك في إجلال الفقراء وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا أثبت في اللوح المحفوظ الذي قد وكل بحفظه أكابر الملائكة الثاني : كأنه قيل : هذا القرآن قد بلغ في العظمة إلى هذا الحد العظيم ، فأي حاجة به إلى أن يقبله هؤلاء الكفار ، فسواء قبلوه أو لم يقبلوه فلا تلتفت إليهم ولا تشغل قلبك بهم ، وإياك وأن تعرض عمن آمن به تطييبا لقلب أرباب الدنيا . [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 12 إلى 14 ] فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 12 ) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 13 ) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) اعلم أنه تعالى وصف تلك التذكرة بأمرين الأول : قوله : فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ أي هذه تذكرة بينة ظاهرة بحيث لو أرادوا فهمها والاتعاظ بها والعمل بموجبها لقدروا عليه والثاني : قوله : فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ أي تلك التذكرة معدة « 2 » في هذه الصحف المكرمة ، والمراد من ذلك تعظيم حال القرآن والتنويه بذكره والمعنى أن هذه التذكرة مثبتة في صحف ، والمراد من الصحف قولان : الأول : أنها صحف منتسخة من اللوح مكرمة عند اللّه تعالى مرفوعة في السماء السابعة أو مرفوعة المقدار مطهر عن أيدي الشياطين ، أو المراد مطهرة بسبب أنها لا يمسها إلا المطهرون وهم الملائكة . ثم قال تعالى :

--> ( 1 ) في الأصل ( كلا إنها ) وحينئذ فلا معنى للاستشهاد بها . ( 2 ) في الأصل ( موعدة ) وهو تحريف واضح ولعل ما ذكرته الصواب ويحتمل أن يكون موجودة .