فخر الدين الرازي

50

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

واعلم أن هذين الوصفين مضادات للوصفين اللذين وصف اللّه أهل النار بهما فقوله : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ ضد قوله : فَأَمَّا مَنْ طَغى [ النازعات : 17 ] وقوله : وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ضد ققوله : وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا [ النازعات : 38 ] واعلم أن الخوف من اللّه ، لا بد وأن يكون مسبوقا بالعلم باللّه على ما قال : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] ولما كان الخوف من اللّه هو السبب المعين لدفع الهوى ، لا جرم قدم العلة على المعلول ، وكما دخل في ذينك الصفتين جميع القبائح دخل / في هذين الوصفين جميع الطاعات والحسنات ، وقيل : الآيتان نزلتا في أبي عزيز بن عمير ومصعب بن عمير ، وقد قتل مصعب أخاه أبا عزيز يوم أحد ، ووقى رسول اللّه بنفسه حتى نفذت المشاقص في جوفه . [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 42 إلى 44 ] يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ( 42 ) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ( 43 ) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ( 44 ) واعلم أنه تعالى لما بين بالبرهان العقلي إمكان القيامة ، ثم أخبر عن وقوعها ، ثم ذكر أحوالها العامة ، ثم ذكر أحوال الأشقياء والسعداء فيها ، قال تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها . واعلم أن المشركين كانوا يسمعون إثبات « 1 » القيامة ، ووصفها بالأوصاف الهائلة ، مثل أنها طامة وصاخة وقارعة ، فقالوا على سبيل الاستهزاء : أَيَّانَ مُرْساها فيحتمل أن يكون ذلك على سبيل الإيهام لأتباعهم أنه لا أصل لذلك ، ويحتمل أنهم كانوا يسألون الرسول عن وقت القيامة استعجالا ، كقوله : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها [ الشورى : 18 ] ثم في قوله : مُرْساها قولان أحدهما : متى إرساؤها ، أي إقامتها أرادوا متى يقيمها اللّه ويوجدها ويكونها والثاني : أَيَّانَ منتهاها ومستقرها ، كما أن مرسى السفينة مستقرها حيث تنتهي إليه . ثم إن اللّه تعالى أجاب عنه بقوله تعالى : فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها وفيه وجهان الأول : معناه في أي شيء أنت عن تذكر وقتها لهم ، وتبين ذلك الزمان المعين لهم ، ونظيره قول القائل : إذا سأله رجل عن شيء لا يليق به ما أنت وهذا ، وأي شيء لك في هذا ، وعن عائشة « لم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت هذه الآية » فهو على هذا تعجيب من كثرة ذكره لها ، كأنه قيل : في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها ، والمعنى أنهم يسألونك عنها ، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها . ثم قال تعالى : إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها أي منتهى علمها لم يؤته أحدا من خلقه الوجه الثاني : قال بعضهم : فِيمَ إنكار لسؤالهم ، أي فيم هذا السؤال ، ثم قيل : أَنْتَ مِنْ ذِكْراها أي أرسلك « 2 » وأنت خاتم الأنبياء وآخر الرسل ذاكرا من أنواع علاماتها ، وواحدا من أقسام أشراطها ، فكفاهم بذلك دليلا على دنوها ووجوب الاستعداد لها ، ولا فائدة في سؤالهم عنها .

--> ( 1 ) لعل ( إثبات ) محرفة عن ( أنباء ) بمعنى أخبار . ( 2 ) لعل ( أرسلك ) محرفة عن ( إرسالك ) .