فخر الدين الرازي

51

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ثم قال تعالى : [ سورة النازعات ( 79 ) : آية 45 ] إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ( 45 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : معنى الآية أنك إنما بعثت للإنذار وهذا المعنى لا يتوقف على علمك / بوقت قيام القيامة ، بل لو أنصفنا لقلنا : بأن الإنذار والتخويف إنما يتمان إذا لم يكن العلم بوقت قيام القيامة حاصلا . المسألة الثانية : أنه عليه الصلاة والسلام منذر للكل إلا أنه خص بمن يخشى ، لأنه الذي ينتفع بذلك الإنذار . المسألة الثالثة : قرئ منذر بالتنوين وهو الأصل ، قال الزجاج : مفعل وفاعل إذا كان كل واحد منهما لما يستقبل أو للحال ينون ، لأنه يكون بدلا من الفعل ، والفعل لا يكون إلا نكرة ويجوز حذف التنوين لأجل التخفيف وكلاهما يصلح للحال والاستقبال ، فإذا أريد الماضي فلا يجوز إلا الإضافة كقوله هو منذر زيد أمس . ثم قال تعالى : [ سورة النازعات ( 79 ) : آية 46 ] كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها ( 46 ) وتفسير هذه الآية قد مضى ذكره في قوله : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ [ الأحقاف : 35 ] والمعنى أن ما أنكروه سيرونه حتى كأنهم أبدا فيه وكأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار ثم مضت فإن قيل قوله : أَوْ ضُحاها معناه ضحى العشية وهذا غير معقول لأنه ليس للعشية ضحى : قلنا الجواب عنه من وجوه أحدها : قال عطاء عن ابن عباس : الهاء والألف صلة للكلام يريد لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى وثانيها : قال الفراء والزجاج : المراد بإضافة الضحى إلى العشية إضافتها إلى يوم العشية كأنه قيل : إلا عشية أو ضحى يومها ، والعرب تقول : آتيك العشية أو غداتها على ما ذكرنا وثالثها : أن النحويين قالوا يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، فالضحى المتقدم على عشية يصح أن يقال : إنه ضحى تلك العشية ، وزمان المحنة قد يعبر عنه بالعشية وزمان الراحة قد يعبر عنه بالضحى ، فالذين يحضرون في موقف القيامة يعبرون عن زمان محنتهم بالعشية وعن زمان راحتهم بضحى تلك العشية فيقولون : كأن عمرنا في الدنيا ما كان إلا هاتين الساعتين ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .