فخر الدين الرازي
5
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الجزء الواحد والثلاثون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سورة النبأ أربعون آية مكية [ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ( 1 ) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ( 2 ) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ( 3 ) [ في قوله تعالى عَمَّ يَتَساءَلُونَ ] فيه مسائل : المسألة الأولى : عَمَّ أصله حرف جر دخل ما الاستفهامية ، قال حسان رحمه اللّه تعالى : على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرغ في رماد والاستعمال الكثير على الحذف والأصل قليل ، ذكروا في سبب الحذف وجوها أحدها : قال الزجاج لأن الميم تشرك الغنة في الألف فصارا كالحرفين المتماثلين وثانيها : قال الجرجاني إنهم إذا وصفوا ما في استفهام حذفوا ألفها تفرقة بينها وبين أن تكون اسما كقولهم : فيم وبم ولم وعلام وحتام وثالثها : قالوا حذفت الألف لاتصال ما بحرف الجر حتى صارت كجزء منه لتنبئ عن شدة الاتصال ورابعها : السبب في هذا الحذف التخفيف في الكلام فإنه لفظ كثير التداول على اللسان . المسألة الثانية : قوله عَمَّ يَتَساءَلُونَ أنه سؤال ، وقوله عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ جواب السائل والمجيب هو اللّه تعالى ، وذلك يدل على علمه بالغيب ، بل بجميع المعلومات . فإن قيل ما الفائدة في أن يذكر الجواب معه ؟ قلنا لأن إيراد الكلام في معرض السؤال والجواب أقرب إلى التفهيم والإيضاح ونظيره لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر : 16 ] . المسألة الثالثة : قرأ عكرمة وعيسى بن عمر ( عما ) وهو الأصل ، وعن ابن كثير أنه قرأ عمه بهاء السكت ، ولا يخلو إما أن يجري الوصل مجرى الوقف ، وإما أن يقف ويبتدئ ب يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ على أن يضمر يتساءلون لأن ما بعده يفسره كشيء مبهم ثم يفسره . المسألة الرابعة : ( ما ) لفظة وضعت لطلب ماهيات الأشياء وحقائقها ، تقول ما الملك ؟ وما الروح ؟ وما الجن ؟ والمراد طلب ماهياتها وشرح حقائقها ، وذلك يقتضي كون ذلك المطلوب مجهولا . ثم إن الشيء العظيم الذي يكون لعظمه وتفاقم مرتبته ويعجز العقل عن أن يحيط بكنهه يبقى مجهولا ، فحصل بين الشيء المطلوب