فخر الدين الرازي
6
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بلفظ ما وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه والمشابهة إحدى أسباب المجاز ، فبهذا الطريق جعل ( ما ) دليلا على عظمة حال ذلك المطلوب وعلو رتبته / ومنه قوله تعالى وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ [ المطففين : 8 ] ، وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ [ البلد : 12 ] وتقول زيد وما زيد . المسألة الخامسة : التساؤل هو أن يسأل بعضهم بعضا كالتقابل ، وقد يستعمل أيضا في أن يتحدثوا به ، وإن لم يكن من بعضهم لبعض سؤال ، قال تعالى : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ * [ الطور : 25 ] قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ [ الصافات : 51 ، 52 ] فهذا يدل على معنى التحدث فيكون معنى الكلام عم يتحدثون ، وهذا قول الفراء . المسألة السادسة : أولئك الذين كانوا يتساءلون من هم ، فيه احتمالات : الاحتمال الأول : أنهم هم الكفار ، والدليل عليه قوله تعالى : كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ [ النبأ : 4 ، 5 ] الضمير في يتساءلون ، وهم فيه مختلفون وسيعلمون ، راجع إلى شيء واحد وقوله : كَلَّا سَيَعْلَمُونَ تهديد والتهديد لا يليق إلا بالكفار ، فثبت أن الضمير في قوله : يَتَساءَلُونَ عائد إلى الكفار ، فإن قيل فما تصنع بقوله : هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ مع أن الكفار كانوا متفقين في إنكار الحشر ؟ قلنا لا نسلم أنهم كانوا متفقين في إنكار الحشر ، وذلك لأن منهم من كان يثبت المعاد الروحاني ، وهم جمهور النصارى ، وأما المعاد الجسماني فمنهم من كان شاكا فيه كقوله : وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى [ فصلت : 50 ] ومنهم من أصر على الإنكار ، ويقول : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [ المؤمنون : 37 ] ومنهم من كان مقرّا به ، لكنه كان منكرا لنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد حصل اختلافهم فيه ، وأيضا هب أنهم كانوا منكرين له لكن لعلهم اختلفوا في كيفية إنكاره ، فمنهم من كان ينكره لأنه كان ينكر الصانع المختار ، ومنهم من كان ينكره لاعتقاده أن إعادة المعدوم ممتنعة لذاتها والقادر المختار إنما يكون قادرا على ما يكون ممكنا في نفسه ، وهذا هو المراد بقوله : هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ . والاحتمال الثاني : أن الذين كانوا يتساءلون هم الكفار والمؤمنون ، وكانوا جميعا يتساءلون عنه ، أما المسلم فليزداد بصيرة ويقينا في دينه ، وأما الكافر فعلى سبيل السخرية ، أو على سبيل إيراد الشكوك والشبهات . والاحتمال الثالث : أنهم كانوا يسألون الرسول ، ويقولون ما هذا الذي تعدنا به من أمر الآخرة . أما قوله تعالى : عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ففيه مسائل . المسألة الأولى : ذكر المفسرون في تفسير النبأ العظيم ثلاثة أوجه : أحدها : أنه هو القيامة وهذا هو الأقرب ويدل عليه وجوه أحدها : قوله : سَيَعْلَمُونَ والظاهر أن المراد منه أنهم سيعلمون هذا الذي يتساءلون عنه حين لا تنفعهم تلك المعرفة ، ومعلوم أن ذلك هو القيامة وثانيها : أنه تعالى بين كونه قادرا على جميع الممكنات بقوله : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً إلى قوله : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [ طه : 102 ] وذلك يقتضي أنه تعالى إنما قدم هذه المقدمة لبيان كونه تعالى قادرا / على إقامة القيامة ، ولما كان الذي أثبته اللّه تعالى بالدليل العقلي في هذه السورة هو هذه المسألة ثبت أن النبأ العظيم الذي كانوا يتساءلون عنه هو يوم القيامة وثالثها : أن العظيم اسم لهذا اليوم بدليل قوله : أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ