فخر الدين الرازي

42

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الأولى : ذكروا في نصب نكال وجهين الأول : قال الزجاج : إنه مصدر مؤكد لأن معنى أخذه اللّه ، نكل اللّه به ، نكال الآخرة والأولى . لأن أخذه ونكله متقاربان ، وهو كما يقال : أدعه تركا شديدا لأن أدعه وأتركه سواء ، ونظيره قوله : إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هود : 102 ] ، الثاني : قال الفراء : يريد أخذه اللّه أخذا نكالا للآخرة والأولى ، والنكال بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم . المسألة الثانية : ذكر المفسرون في هذه الآية وجوها أحدها : أن الآخرة والأولى صفة لكلمتي فرعون إحداهما قوله : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] والأخرى قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] قالوا : وكان بينهما أربعون سنة ، وهذا قول مجاهد والشعبي وسعيد بن جبير ومقاتل ، ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس ، والمقصود التنبيه على أنه ما أخذه بكلمته الأولى في الحال ، بل أمهله أربعين سنة ، فلما ذكر الثانية أخذ بهما ، وهذا تنبيه على أنه تعالى يمهل ولا يمهل الثاني : وهو قول الحسن وقتادة : نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى أي عذبه في الآخرة ، وأغرقه في الدنيا الثالث : الآخرة هي قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى والأولى هي تكذيبه موسى حين أراه الآية ، قال القفال : وهذا كأنه هو الأظهر ، لأنه تعالى قال : فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى * فَكَذَّبَ وَعَصى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى * فَحَشَرَ فَنادى * فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 20 ، 24 ] فذكر المعصيتين ، ثم قال : فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى فظهر أن المراد أنه عاتبه على هذين الأمرين . المسألة الثالثة : قال الليث : ( النكال ) اسم لمن جعل نكالا لعيره ، وهو الذي إذا رآه أو بلغه خاف أن يعمل عمله ، وأصل الكلمة من الامتناع ، ومنه النكول عن اليمين ، وقيل للقيد نكل لأنه يمنع ، فالنكال من العقوبة هو أعظم حتى يمتنع من سمع به عن ارتكاب مثل ذلك الذنب الذي وقع التنكيل به ، وهو في العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه ويعتبر به غيره ، واللّه أعلم . ثم إنه تعالى ختم هذه القصة بقوله تعالى : [ سورة النازعات ( 79 ) : آية 26 ] إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى ( 26 ) والمعنى أن فيما اقتصصناه من أمر موسى وفرعون ، وما أحله اللّه بفرعون من الخزي ، ورزق موسى من العلو والنصر عبرة لمن يخشى وذلك أن يدع التمرد على اللّه تعالى ، والتكذيب لأنبيائه خوفا من أن ينزل به ما نزل بفرعون ، وعلما بأن اللّه تعالى ينصر أنبياءه ورسله ، فاعتبروا معاشر المكذبين لمحمد بما ذكرناه ، أي اعلموا أنكم إن شاركتموهم في المعنى الجالب للعقاب ، شاركتموهم في حلول العقاب بكم . [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 27 إلى 28 ] أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ( 28 ) [ في قوله تعالى أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ] ثم اعلم أنه تعالى لما ختم هذه القصة رجع إلى مخاطبة منكري البعث ، فقال : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في المقصود من هذا الاستدلال وجهان الأول : أنه استدلال على منكري البعث فقال : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ فنبههم على أمر يعلم بالمشاهدة . وذلك لأن خلقة الإنسان على صغره وضعفه ، إذا