فخر الدين الرازي

43

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أضيف إلى خلق السماء على عظمها وعظم أحوالها يسير ، فبين تعالى أن خلق السماء أعظم ، وإذا كان كذلك فخلقهم على وجه الإعادة أولى أن يكون مقدورا للّه تعالى فكيف ينكرون ذلك ؟ ونظيره قوله : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى / أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [ يس : 81 ] وقوله : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر : 57 ] والمعنى أخلقكم بعد الموت أشد أم خلق السماء أي عندكم ، وفي تقديركم ، فإن كلا الأمرين بالنسبة إلى قدرة اللّه واحد والثاني : أن المقصود من هذا الاستدلال بيان كونهم مخلوقين ، وهذا القول ضعيف لوجهين أحدهما : أن من أنكر كون الإنسان مخلوقا فبأن ينكر [ ه ] في السماء كان أولى أن أول السورة كان في بيان مسألة الحشر والنشر ، فحمل هذا الكلام عليه أولى . المسألة الثانية : قال الكسائي والفراء والزجاج : هذا الكلام تم عند قوله : أَمِ السَّماءُ . ثم قوله تعالى : بَناها ابتداء كلام آخر ، وعند أبي حاتم الوقف على قوله : بَناها قال : لأنه من صلة السماء ، والتقدير : أم السماء التي بناها ، فحذف التي ، ومثل هذا الحذف جائز ، قال القفال : يقال : الرجل جاءك عاقل ، أي الرجل الذي جاءك عاقل إذا ثبت أن هذا جائز في اللغة فنقول : الدليل على أن قوله : بَناها صلة لما قبله أنه لو لم يكن صلة لكان صفة ، فقوله : بَناها صفة ، ثم قوله : رَفَعَ سَمْكَها صفة ، فقد توالت صفتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى ، فكان يجب إدخال العاطف فيما بينهما ، كما في قوله : وَأَغْطَشَ لَيْلَها [ النازعات : 29 ] فلما لم يكن كذلك علمنا أن قوله : بَناها صلة للسماء ، ثم قال : رَفَعَ سَمْكَها ابتداء بذكر صفته ، وللفراء أن يحتج على قوله بأنه لو كان قوله : بَناها صلة للسماء لكان التقدير : أم السماء [ التي ] « 1 » بناها ، وهذا يقتضي وجود سماء ما بناها اللّه ، وذلك باطل . المسألة الثالثة : الذي يدل على أنه تعالى هو الذي بنى السماء وجوه أحدها : أن السماء جسم ، وكل جسم محدث ، لأن الجسم لو كان أزليا لكان في الأزل إما أن يكون متحركا أو ساكنا ، والقسمان باطلان ، فالقول بكون الجسم أزليا باطل . أما الحصر فلأنه إما أن يكون مستقرا حيث هو فيكون ساكنا ، أو لا يكون مستقرا حيث هو فيكون متحركا ، وإنما قلنا : إنه يستحيل أن يكون متحركا ، لأن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير ، وماهية الأزل تنافي المسبوقية بالغير والجمع بينهما محال ، وإنما قلنا : إنه يستحيل أن يكون ساكنا ، لأن السكون وصف ثبوتي وهو ممكن الزوال ، وكل ممكن الزوال مفتقر إلى الفاعل المختار ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، فكل سكون محدث فيمتنع أن يكون أزليا ، وإنما قلنا : إن السكون وصف ثبوتي ، لأنه يتبدل كون الجسم متحركا بكونه ساكنا مع بقاء ذاته ، فأحدهما لا بد وأن يكون أمرا ثبوتيا ، فإن كان الثبوتي هو السكون فقد حصل المقصود ، وأن كان الثبوتي هو الحركة وجب أيضا أن يكون السكون ثبوتيا ، لأن الحركة عبارة عن الحصول في المكان بعد أن كان في غيره ، والسكون عبارة عن الحصول في المكان بعد أن كان فيه بعينه ، فالتفاوت بين الحركة والسكون ليس في / الماهية ، بل في المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير ، وذلك وصف عارضي خارجي عن الماهية ، وإذا كان كذلك فإذا ثبت أن تلك الماهية أمر وجودي في إحدى الصورتين وجب أن تكون كذلك في سورة أخرى ، وإنما قلنا : إن سكون السماء جائز الزوال ، لأنه لو كان واجبا لذاته لامتنع زواله ، فكان يجب أن لا تتحرك السماء لكنا نراها الآن متحركة ، فعلمنا أنها لو كانت ساكنة في الأزل ،

--> ( 1 ) ما بين القوسين المربعين زيادة اقتضاها الكلام إذ لا معنى له بدونها ( عبد اللّه الصاوي ) .