فخر الدين الرازي
41
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المعجز على الصدق ، وما بعد الآية يدل على أن فرعون إنما منع من دلالته عن الصدق لاعتقاده أنه يمكن معارضته بدليل قوله : فَحَشَرَ فَنادى [ النازعات : 23 ] وهو كقوله : فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ [ الشعرا : 53 ] . المسألة الثانية : في الآية سؤال وهو أن كل أحد يعلم أن كل من كذب اللّه فقد عصى ، فما الفائدة في قوله : فَكَذَّبَ وَعَصى ؟ والجواب : كذب بالقلب واللسان ، وعصى بأن أظهر التمرد والتجبر . المسألة الثالثة : هذا الذي وصفه اللّه تعالى به من التكذيب والمعصية مغاير لما كان حاصلا قبل ذلك ، لأن تكذيبه لموسى عليها لسلام وقد دعاه وأظهر هذه المعجزة . يوفى على ما تقدم من التكذيب ومعصيته بترك القبول منه ، والحال هذه مخالفة لمعصيته من قبل ذلك . [ سورة النازعات ( 79 ) : آية 22 ] ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى ( 22 ) وثانيها : قوله : ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى وفيه وجوه أحدها : أنه لما رأى الثعبان أدبر مرعوبا يسعى يسرع في مشيه ، قال الحسن كان رجلا طياشا خفيفا وثانيها : تولى عن موسى يسعى ويجتهد في مكايدته وثالثها : أن يكون المعنى ، ثم أقبل يسعى ، كما يقال : فلان أقبل يفعل كذا ، بمعنى أنشأ يفعل ، فوضع أدبر فوضع أقبل لئلا يوصف بالإقبال . وثالثها : قوله : [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 23 إلى 24 ] فَحَشَرَ فَنادى ( 23 ) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ( 24 ) فحشر فجمع السحرة كقوله : فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ فنادى في المقام الذي اجتمعوا فيه معه ، أو أمر مناديا فنادى في الناس بذلك ، وقيل قام فيهم خطيبا فقال تلك الكلمة ، وعن ابن عباس كلمته الأولى : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] والآخرة : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى . واعلم أنا بينا في سورة ( طه ) أنه لا يجوز أن يعتقد الإنسان في نفسه كونه خالقا للسموات والأرض والجبال والنبات والحيوان والإنسان ، فإن العلم بفساد ذلك ضروري ، فمن تشكك فيه كان مجنونا ، ولو كان مجنونا لما جاز من اللّه بعثة الأنبياء والرسل إليه ، بل الرجل كان دهريا منكرا للصانع والحشر والنشر ، وكان يقول ليس لأحد عليكم أمر ولا نهي إلا لي ، فأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم ، وليس للعالم إله حتى يكون له عليكم أمر ونهي ، أو يبعث إليكم رسولا ، قال القاضي : وقد كان الأليق به بعد ظهور خزيه عند انقلاب العصا حية ، أن لا يقول هذا القول . لأن عند ظهور الذلة والعجز ، كيف يليق أن يقول : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى فدلت هذه الآية على أنه في ذلك الوقت صار كالمعتوه الذي لا يدري ما يقول . واعلم أنه تعالى لما حكى عنه أفعاله وأقواله أتبعه بما عامله به وهو قوله تعالى : [ سورة النازعات ( 79 ) : آية 25 ] فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى ( 25 ) وفيه مسألتان :