فخر الدين الرازي
40
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ينبه أيضا على أنه أشرف المقاصد من البعثة والجواب : أنا لا نمنع أن يكون للتنبيه والإشارة معونة في الكشف عن الحق إنما النزاع في إنكم تقولون : يستحيل حصوله إلا من المعلم ونحن لا نحل ذلك . المسألة الثانية : دلت الآية على أن معرفة اللّه مقدمة على طاعته ، لأنه ذكر الهداية وجعل الخشية مؤخرة عنها ومفرعة عليها ، ونظيره قوله تعالى في أول النحل : أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ [ النحل : 2 ] وفي طه : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [ طه : 14 ] . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة . قال تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] أي العلماء به ، ودلت الآية على أن الخشية ملاك الخيرات ، لأن من خشي اللّه أتى منه كل خير ، ومن أمن اجترأ على كل شر ، ومنه قوله عليه السلام « من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل » . [ سورة النازعات ( 79 ) : آية 20 ] فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى ( 20 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الفاء في فَأَراهُ معطوف على محذوف معلوم ، يعني فذهب فأراه ، كقوله : فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ [ البقرة : 60 ] أي فضرب فانفجرت . المسألة الثانية : اختلفوا في الآية الكبرى على ثلاثة أقوال : الأول : قال مقاتل والكلبي : هي اليد ، لقوله في النمل : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [ النمل : 12 ] آية أخرى لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى [ طه : 23 ] القول الثاني : قال عطاء : هي العصا ، لأنه ليس في اليد إلا انقلاب لونه إلى لون آخر ، وهذا المعنى كان حاصلا في العصا ، لأنها لما انقلبت حية فلا بد وأن يكون قد تغير اللون الأول ، فإذا كل ما في اليد فهو حاصل في العصا ، ثم حصل في العصا أمور أخرى أزيد من ذلك ، منها حصول الحياة في الجرم الجمادي ، ومنها تزايد أجزائه وأجسامه ، ومنها حصول القدرة الكبيرة والقوة الشديدة ، ومنها أنها كانت ابتلعت أشياء كثيرة وكأنها فنيت ، ومنها زوال الحياة والقدرة عنها ، وفناء تلك الأجزاء التي حصل عظمها ، وزوال ذلك اللون والشكل اللذين بهما صارت العصا حية ، وكل واحد من هذه الوجوه كان معجزا مستقلا في نفسه ، فعلمنا أن الآية الكبرى هي العصا والقول الثالث : في هذه المسألة قول مجاهد : وهو أن المراد من الآية الكبرى مجموع اليد والعصا ، وذلك لأن سائر الآيات دلت على أن أول ما أظهر موسى عليه السلام لفرعون هو العصا ، ثم أتبعه باليد ، فوجب أن يكون المراد من الآية الكبرى مجموعهما . أحدها : قوله تعالى : [ سورة النازعات ( 79 ) : آية 21 ] فَكَذَّبَ وَعَصى ( 21 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : معنى قوله : فَكَذَّبَ أنه كذب بدلالة ذلك المعجز على صدقه . واعلم أن القدح في دلالة المعجزة على الصدق إما لاعتقاد أنه يمكن معارضته ، أو لأنه وإن امتنعت معارضته لكنه ليس فعلا للّه بل لغيره ، إما فعل جنى أو فعل ملك ، أو إن كان فعلا للّه تعالى لكنه ما فعله لغرض التصديق ، أو إن كان فعله لغرض التصديق لكنه لا يلزم صدق المدعي ، فإنه لا يقبح من اللّه شيء البتة ، فهذه مجامع الطعن في دلالة