فخر الدين الرازي

36

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

لغتان والمعنى واحد اختلفوا فقال الزجاج والفراء : الناخرة أشبه الوجهين بالآية لأنها تشبه أواخر سائر الآي نحو الحافرة والساهرة ، وقال آخرون : الناخرة والنخر كالطامع والطمع ، واللابث واللبث وفعل أبلغ من فاعل القول الثاني : أن النخرة غير والناخرة غير ، أما النخرة فهو من نخر العظم ينخر فهو نخر مثل عفن يعفن فهو عفن ، وذلك إذا بلي وصار بحيث لو لمسته لتفتت ، وأما الناخرة فهي العظام الفارغة التي يحصل من هبوب الريح فيها صوت كالنخير ، وعلى هذا الناخرة من النخير بمعنى الصوت كنخير النائم والمخنوق لا من النخر الذي هو البلى . المسألة الثانية : إذا منصوب بمحذوف تقدير إذا كنا عظاما نرد ونبعث . المسألة الثالثة : اعلم أن حاصل هذه الشبهة أن الذي يشير إليه كل أحد إلى نفسه بقوله : أنا هو هذا الجسم المبني بهذه البنية المخصوصة ، فإذا مات الإنسان فقد بطل مزاجه وفسد تركيبه فتمتنع إعادته لوجوه أحدها : أنه لا يكون الإنسان العائد هو الإنسان الأول إلا إذا دخل التركيب الأول في الوجود مرة أخرى ، وذلك قول بإعادة عين ما عدم أولا ، وهذا محال لأن الذي عدم لم يبق له عين ولا ذات ولا خصوصية ، فإذا دخل شيء آخر في الوجود استحال أيقال بأن العائد هو عين ما فني أولا وثانيها : أن تلك الأجزاء تصير ترابا وتتفرق وتختلط بأجزاء كل الأرض وكل المياه وكل الهواء فتميز تلك الأجزاء بأعيانها عن كل هذه الأشياء محال وثالثها : أن الأجزاء الترابية باردة يابسة قشفة فتولد الإنسان الذي لا بد وأن يكون حارا رطبا في مزاجه عنها محال ، هذا تمام تقرير كلام هؤلاء الذين احتجوا على إنكار البعث بقولهم : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً والجواب : عن هذه الشبهة من وجوه أولها : وهو الأقوى : لا نسلم أن المشار إليه لكل أحد بقوله : أنا هو هذا الهيكل ، ثم إن الذي يدل على فساده وجهان الأول : أن أجزاء هذا الهيكل في الزوبان والتبدل ، والذي يشير إليه كل أحد إلى نفسه بقوله أنا ليس في التبدل والمتبدل مغاير لما هو غير متبدل والثاني : أن الإنسان قد يعرف أنه هو حال كونه غافلا عن أعضائه الظاهرة والباطنة ، والمشعور به مغاير لما هو غير مشعور به وإلا لاجتمع النفي والإثبات على الشيء الواحد وهو محال ، فثبت أن المشار إليه لكل أحد بقوله : أنا ليس هو هذا الهيكل ، ثم هاهنا ثلاث احتمالات أحدها : أن يكون ذلك الشيء موجودا قائما بنفسه ليس بجسم ولا بجسماني على ما هو مذهب طائفة عظيمة من الفلاسفة ومن المسلمين وثانيها : أن يكون جسما مخالفا بالماهية لهذه الأجسام القابلة للانحلال والفساد سارية فيها سريان النار في الفحم وسريان الدهن في السمسم وسريان ماء الورد / في جرم الورد فإذا فسد هذا الهيكل تقلصت تلك الأجزاء وبقيت حية مدركة عاقلة ، إما في الشقاوة أو في السعادة وثالثها : أن يقال : إنه جسم مساو لهذه الأجسام في الماهية إلا أن اللّه تعالى خصها بالبقاء والاستمرار من أول حال تكون شخص في الوجود إلى آخر عمره ، وأما سائر الأجزاء المتبدلة تارة بالزيادة وأخرى بالنقصان فهي غير داخلة في المشار إليه بقوله أنا فعند الموت تنفصل تلك الأجزاء . وتبقى حية ، إما في السعادة أو في الشقاوة ، وإذا ظهرت هذه الاحتمالات ثبت أنه لا يلزم من فساد البدن وتفرق أجزائه فساد ما هو الإنسان حقيقة ، وهذا مقام حسن متين تنقطع به جميع شبهات منكري البعث . وعلى هذا التقدير لا يكون لصيرورة العظام نخرة بالية متفرقة تأثير في دفع الحشر والنشر البتة ، سلمنا على سبيل المسامحة أن الإنسان هو مجموع هذا الهيكل ، فلم قلتم : إن الإعادة ممتنعة ؟ [ أولا ] : المعدوم لا يعاد : قلنا : أليس أن حال عدمه لم يمتنع عندكم صحة الحكم عليه بأنه يمتنع عوده ،