فخر الدين الرازي
37
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فلم لا يجوز أن لا يمتنع على قولنا أيضا صحة الحكم عليه بالعود ، قول : ثانيا : الأجزاء القليلة مختلطة بأجزاء العناصر الأربعة ، قلنا لكن ثبت أن خالق العالم عالم بجميع الجزئيات ، وقادر على كل الممكنات فيصح منه جمعها بأعيانها . وإعادة الحياة إليها . قوله : ثالثا : الأجسام القشفة اليابسة لا تقبل الحياة . قلنا : نرى السمندل ، يعيش في النار ، والنعامة تبتلع الحديدة المحماة ، والحيات الكبار العظام متولدة في الثلوج ، فبطل الاعتماد على الاستقراء ، واللّه الهادي إلى الصدق والصواب . [ سورة النازعات ( 79 ) : آية 12 ] قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ( 12 ) النوع الثالث : من الكلمات التي حكاها اللّه تعالى عن منكري البعث قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ والمعنى كرة منسوبة إلى الخسران ، كقولك تجارة رابحة ، أو خاسر أصحابها ، والمعنى أنها إن صحت فنحن إذا خاسرون لتكذيبنا ، وهذا منهم استهزاء . واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذه الكلمات قال : [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 13 إلى 14 ] فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ( 13 ) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ( 14 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : الفاء في قوله : فَإِذا هُمْ متعلق بمحذوف معناه لا تستصعبوها فإنما هي زجرة واحدة ، يعني لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على اللّه فإنها سهلة هينة في قدرته . المسألة الثانية : يقال : زجر البعير إذا صاح عليه ، والمراد من هذه الصيحة النفخة الثانية وهي صيحة إسرافيل ، قال المفسرون : يحيهم اللّه في بطون الأرض فيسمعونها فيقومون ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ [ ص : 15 ] . المسألة الثالثة : الساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لوجهين الأول : أن / سالكها لا ينام خوفا منها الثاني : أن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة جارية الماء ، وعندي فيه وجه ثالث : وهي أن الأرض إنما تسمى ساهرة لأن من شدة الخوف فيها يطير النوم عن الإنسان ، فتلك الأرض التي يجتمع الكفار فيها في موقف القيامة يكونون فيها في أشد الخوف ، فسميت تلك الأرض ساهرة لهذا السبب ، ثم اختلفوا من وجه آخر فقال بعضهم : هي أرض الدنيا ، وقال آخرون : هي أرض الآخرة لأنهم عند الزجرة والصيحة ينقلون أفواجا إلى أرض الآخرة ولعل هذا الوجه أقرب . [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 15 إلى 17 ] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ( 15 ) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ( 16 ) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ( 17 ) فيه مسائل :