فخر الدين الرازي

192

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

استبعاد فيه ومنهم من زاد عليه فقال : والضحى ذكور أهل بيته ، والليل إناثهم ، ويحتمل الضحى رسالته والليل زمان احتباس الوحي ، لأن في حال النزول حصل الاستئناس وفي زمن الاحتباس حصل الاستيحاش ، ويحتمل والضحى نور علمه الذي به يعرف المستور من الغيوب : والليل عفوه الذي به يستر جميع الغيوب . ويحتمل أن الضحى إقبال الإسلام بعد أن كان غريبا والليل إشارة إلى أنه سيعود غريبا ، ويحتمل والضحى كمال العقل ، والليل حال الموت ، ويحتمل أقسم بعلانيتك التي لا يرى عليها الخلق عيبا ، وبسرك الذي لا يعلم عليه عالم الغيب عيبا . [ سورة الضحى ( 93 ) : آية 3 ] ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : قال أبو عبيدة والمبرد : ودعك من التوديع كما يودع المفارق ، وقرئ بالتخفيف أي ما تركك ، والتوديع مبالغة في الوداع ، لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك والقلى البغض . يقال : قلاه يقليه قلى ومقلية إذا أبغضه ، قال الفراء : يريد وما قلاك ، وفي حذف الكاف وجوه أحدها : حذفت الكاف اكتفاء بالكاف الأولى في ودعك ، ولأن رؤس الآيات بالياء ، فأوجب اتفاق الفواصل حذف الكاف وثانيها : فائدة الإطلاق أنه ما قلاك ولا [ قلا ] أحد من أصحابك ولا أحدا ممن أحبك إلى قيام القيامة ، تقريرا لقوله : « المرء مع من أحب » . المسألة الثانية : قال المفسرون : أبطأ جبريل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال المشركون : قد قلاه اللّه وودعه ، فأنزل اللّه تعالى عليه هذه الآية ، وقال السدي : أبطأ عليه أربعين ليلة فشكا ذلك إلى خديجة ، فقالت : لعل ربك نسيك أو قلاك ، وقيل : إن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له : يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، وروي عن الحسن أنه قال : أبطأ على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الوحي ، فقال لخديجة : « إن ربي ودعني وقلاني ، يشكو إليها ، فقالت : كلا والذي بعثك بالحق ما ابتدأك اللّه بهذه الكرامة إلا وهو يريد أن يتمها لك » فنزل : ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى وطعن الأصوليون في هذه الرواية ، وقالوا : إنه لا يليق بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يظن أن اللّه تعالى ودعه وقلاه ، بل يعلم أن عزل النبي عن النبوة غير جائز في حكمة اللّه تعالى ، ويعلم أن نزول الوحي يكون بحسب المصلحة ، وربما كان الصلاح تأخيره ، وربما كان خلاف ذلك ، فثبت أن هذا / الكلام غير لائق بالرسول عليه الصلاة والسلام ، ثم إن صح ذلك يحمل على أنه كان مقصوده عليه الصلاة والسلام أن يجربها ليعرف قدر علمها ، أو ليعرف الناس قدر علمها ، واختلفوا في قدر مدة انقطاع الوحي ، فقال ابن جريج : اثنا عشر يوما ، وقال الكلبي : خمسة عشر يوما ، وقال ابن عباس : خمسة وعشرون يوما ، وقال السدي ومقاتل : أربعون يوما ، واختلفوا في سبب احتباس جبريل عليه السلام ، فذكر أكثر المفسرين أن اليهود سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف ، فقال : « سأخبركم غدا ولم يقل إن شاء اللّه » فاحتبس عنه الوحي ، و قال ابن زيد : السبب فيه كون جرو في بيته للحسن والحسين ، فلما نزل جبريل عليه السلام ، عاتبه رسول اللّه عليه الصلاة والسلام ، فقال : « أما علمت أنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة » وقال جندب بن سفيان : رمى النبي عليه الصلاة بحجر في إصبعه ، فقال :