فخر الدين الرازي

193

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

هل أنت إلا إصبع دميت * وفي سبيل اللّه ما لقيت فأبطأ عنه الوحي ، و روي أنه كان فيهم من لا يقلم الأظفار وهاهنا سؤالان . السؤال الأول : الروايات التي ذكرتم تدل على أن احتباس الوحي كان عن قلى : قلنا أقصى ما في الباب أن ذلك كان تركا للأفضل والأولى ، وصاحبه لا يكون ممقوتا ولا مبغضا ، وروى أنه عليه الصلاة والسلام قال لجبريل : « ما جئتني حتى اشتقت إليك ، فقال جبريل : كنت إليك أشوق ولكني عبدا مأمورا » وتلا : وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [ مريم : 64 ] . السؤال الثاني : كيف يحسن من السلطان أن يقول لأعظم الخلق قربة عنده : إني لا أبغضك تشريفا له ؟ الجواب : أن ذلك لا يحسن ابتداء ، لكن الأعداء إذا ألقوا في الألسنة أن السلطان يبغضه ، ثم تأسف ذلك المقرب فلا لفظ أقرب إلى تشريفه من أن يقول له : إني لا أبغضك ولا أدعك ، وسوف ترى منزلتك عندي . المسألة الثالثة : هذه الواقعة تدل على أن القرآن من عند اللّه ، إذ لو كان من عنده لما امتنع . [ سورة الضحى ( 93 ) : آية 4 ] وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 ) واعلم أن في اتصاله بما تقدم وجوها أحدها : أن يكون المعنى أن انقطاع الوحي لا يجوز أن يكون لأنه عزل عن النبوة ، بل أقصى ما في الباب ، أن يكون ذلك لأنه حصل الاستغناء عن الرسالة ، وذلك أمارة الموت فكأنه يقال : انقطاع الوحي متى حصل دل على الموت ، لكن الموت خير لك . فإن ما لك عند اللّه في الآخرة خير وأفضل مما لك في الدنيا وثانيها : لما نزل : ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ [ الضحى : 3 ] حصل له بهذا تشريف عظيم ، فكأنه استعظم هذا التشريف فقيل له : وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى أي هذا التشريف وإن كان عظيما إلا أن ما لك عند اللّه في الآخرة خير وأعظم وثالثها : ما يخطر / ببالي ، وهو أن يكون المعنى وللأحوال الآتية خير لك من الماضية كأنه تعالى وعده بأنه سيزيده كل يوم عزا إلى عز ، ومنصبا إلى منصب ، فيقول : لا تظن أني قليتك بل تكون كل يوم يأتي فإني أزيدك منصبا وجلالا ، وهاهنا سؤالان : السؤال الأول : بأي طريق يعرف أن الآخرة كانت له خيرا من الأولى ؟ الجواب : لوجوه أحدها : كأنه تعالى يقول له إنك في الدنيا على خير لأنك تفعل فيها ما تريد ، ولكن الآخرة خير لك لأنا نفعل فيها ما نريد وثانيها : الآخرة خير لك يجتمع عندك أمتك إذ الأمة له كالأولاد قال تعالى : وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [ الأحزاب : 6 ] وهو أب لهم ، وأمته في الجنة فيكون كأن أولاده في الجنة ، ثم سمى الولد قرة أعين ، حيث حكى عنهم : هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [ الفرقان : 74 ] وثالثها : الآخرة خير لك لأنك اشتريتها ، أما هذه ليست لك ، فعلى تقدير أن لو كانت الآخرة أقل من الدنيا لكانت الآخرة خيرا لك ، لأن مملوكك خير لك مما لا يكون مملوكا لك ، فكيف ولا نسبة للآخرة إلى الدنيا في الفضل ورابعها : الآخرة خير لك من الأولى لأن في الدنيا الكفار يطعنون فيك أما في الآخرة فأجعل أمتك شهداء على الأمم ، وأجعلك شهيدا على الأنبياء ، ثم أجعل ذاتي شهيدا لك كما قال : وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً * مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [ الفتح : 28 ، 29 ] وخامسها : أن خيرات الدنيا قليلة مشوبة منقطعة ، ولذات الآخرة كثيرة خالصة دائمة . السؤال الثاني : لم قال : وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ ولم يقل خير لكم ؟ الجواب : لأنه كان في جماعته من