فخر الدين الرازي

17

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بل قال لا يذوقون فيها بردا واحدا ، وهو البرد الذي ينتفعون به ويستريحون إليه . المسألة الثالثة : ذكروا في الحميم أنه الصفر المذاب وهو باطل بل الحميم الماء الحار المغلي جدا . المسألة الرابعة : ذكروا في الغساق وجوها . أحدها : قال أبو معاذ كنت أسمع مشايخنا يقولون الغساق فارسية معربة يقولون للشيء الذي يتقذرونه خاشاك « 1 » وثانيها : أن الغساق هو الشيء البارد الذي لا يطاق ، وهو الذي يسمى بالزمهرير وثالثها : الغساق ما يسيل من أعين أهل النار وجلودهم من الصديد والقيح والعرق وسائر الرطوبات المستقذرة ، وفي كتاب الخليل غسقت عينه ، تغسق غسقا وغساقا ورابعها : الغساق هو المنتن ، ودليله ما روي أنه عليه السلام قال : لو أن دلوا من الغساق يهراق على الدنيا لأنتن أهل الدنيا وخامسها : أن الغاسق هو المظلم قال تعالى : وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ [ الفلق : 3 ] فيكون الغساق شرابا أسود مكروها يستوحش كما يستوحش الشيء المظلم ، إذا عرفت هذا فنقول إن فسرنا الغساق بالبارد كان التقدير : لا يذوقون فيها بردا إلا غساقا ولا شرابا إلا حميما ، إلا أنهما جمعا لأجل انتظام الآي ، ومثله من الشعر قول امرئ القيس : كأن قلوب الطير رطبا ويابسا * لدي وكرها العناب والحشف البالي والمعنى كأن قلوب الطير رطبا العناب ويابسا الحشف البالي . أما إن فسرنا الغساق بالصديد أو بالنتن احتمل أن يكون الاستثناء بالحميم والغساق راجعا إلى البرد والشراب معا ، وأن يكون مختصا بالشراب فقط . أما الاحتمال الأول : فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شرابا إلا الحميم البالغ في الحميم والصديد المنتن . وأما الاحتمال الثاني : فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شرابا إلا الحميم البالغ في السخونة أو الصديد المنتن واللّه أعلم بمراده ، فإن قيل الصديد لا يشرب فكيف استثنى من الشراب ؟ قلنا : إنه مائع فأمكن أن يشرب في الجملة فإن ثبت أنه غير ممكن كان ذلك استثناء من غير الجنس ووجهه معلوم . المسألة الخامسة : قرأ حمزة والكسائي وعاصم من رواية حفص عنه غساقا بالتشديد فكأنه فعال بمعنى سيال ، وقرأ الباقون بالتخفيف مثل شراب والأول نعت والثاني اسم . واعلم أنه تعالى لما شرح أنواع عقوبة الكفار بين فيما بعده أنه : جَزاءً وِفاقاً وفي المعنى / وجهان : الأول : أنه تعالى أنزل بهم عقوبة شديدة بسبب أنهم أتوا بمعصية شديدة فيكون العقاب وِفاقاً للذنب ، ونظيره قوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] والثاني : أنه وِفاقاً من حيث لم يزد على قدر الاستحقاق ، ولم ينقص عنه وذكر النحويون فيه وجوها : أحدها : أن يكون الوفاق والموافق واحدا في اللغة والتقدير جزاء موافقا وثانيها : أن يكون نصبا على المصدر والتقدير جزاء وافق أعمالهم وِفاقاً وثالثها : أن يكون وصف بالمصدر كما يقال فلان فضل وكرم لكونه كاملا في ذلك المعنى ، كذلك هاهنا لما كان ذلك الجزاء كاملا في كونه على وفق الاستحقاق وصف الجزاء بكونه وِفاقاً ورابعها : أن يكون بحذف المضاف والتقدير

--> ( 1 ) وجه الدلالة على هذا خفي ولعل الكلمة مصحفة وصوابها « غاساك » بالغين المعجمة والسين المهملة أو « غاساق » ثم عربت إلى « غساق » .