فخر الدين الرازي
18
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
جزاء ذا وفاق وقرأ أبو حيوة وِفاقاً فعال من الوفق ، فإن قيل كيف يكون هذا العذاب البالغ في الشدة الغير المتناهي بحسب المدة وِفاقاً للإتيان بالكفر لحظة واحدة ، وأيضا فعلى قول أهل السنة إذا كان الكفر واقعا بخلق اللّه وإيجاده فكيف يكون هذا وفاقا له ؟ وأما على مذهب المعتزلة فكان علم اللّه بعدم إيمانهم حاصلا ووجود إيمانهم مناف بالذات لذلك العلم فمع قيام أحد المتنافيين كان التكليف بإدخال المنافي الثاني في الوجود ممتنعا لذاته وعينه ، ويكون تكليفا بالجمع بين المتنافيين ، فكيف يكون مثل هذا العذاب الشديد الدائم وفاقا لمثل هذا الجرم ؟ قلنا يفعل اللّه ما يشاء ويحكم ما يريد . واعلم أنه تعالى لما بين على الإجمال أن ذلك الجزاء كان على وفق جرمهم شرح أنواع جرائمهم ، وهي بعد ذلك نوعان : أولهما : قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 27 ] إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً ( 27 ) وفيه سؤالان : الأول : وهو أن الحساب شيء شاق على الإنسان ، والشيء الشاق لا يقال فيه إنه يرجى بل يجب أن يقال : إنهم كانوا لا يخشون حسابا والجواب من وجوه : أحدها : قال مقاتل وكثير من المفسرين قوله لا يرجون معناه لا يخافون ، ونظيره قولهم في تفسير قوله تعالى : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً [ نوح : 13 ] وثانيها : أن المؤمن لا بد وأن يرجو رحمة اللّه لأنه قاطع بأن ثواب إيمانه زائد على عقاب جميع المعاصي سوى الكفر ، فقوله : إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً إشارة إلى أنهم ما كانوا مؤمنين وثالثها : أن الرجاء هاهنا بمعنى التوقع لأن الراجي للشيء متوقع له إلا أن اشرف أقسام التوقع هو الرجاء فسمى الجنس باسم أشرف أنواعه ورابعها : أن في هذه الآية تنبيها على أن الحساب مع اللّه جانب الرجاء فيه أغلب من جانب الخوف ، وذلك لأن للعبد حقا على اللّه تعالى بحكم الوعد في جانب الثواب وللّه تعالى حق على العبد في جانب العقاب ، والكريم قد يسقط حق نفسه ، ولا يسقط ما كان حقا لغيره عليه ، فلا جرم كان جانب الرجاء أقوى في / الحساب ، فلهذا السبب ذكر الرجاء ، ولم يذكر الخوف . السؤال الثاني : أن الكفار كانوا قد أتوا بأنواع من القبائح والكبائر ، فما السبب في أن خص اللّه تعالى هذا النوع من الكفر بالذكر في أول الأمر ؟ الجواب : لأن رغبة الإنسان في فعل الخيرات ، وفي ترك المحظورات ، إنما تكون بسبب أن ينتفع به في الآخرة . فمن أنكر الآخرة ، لم يقدم على شيء من المستحسنات ، ولم يحجم عن شيء من المنكرات ، فقوله : إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً تنبيه على أنهم فعلوا كل شر وتركوا كل خير . والنوع الثاني : من قبائح أفعالهم قوله : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 28 ] وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ( 28 ) اعلم أن للنفس الناطقة الإنسانية قوتين نظرية وعملية ، وكمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، ولذلك قال إبراهيم : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ الشعراء : 83 ] هَبْ لِي