فخر الدين الرازي
153
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أعلام قوم عاد كانوا يبنونها على هيئة المنارة وعلى هيئة القبور ، قال أبو الدقيش : الأروم قبور عاد ، وأنشد : بها أروم كهوادي البخت ومن الناس من طعن في قول من قال : إن إرم هي الإسكندرية أو دمشق ، قال : لأن منازل عاد كانت بين عمان إلى حضر موت وهي بلاد الرمال والأحقاف ، كما قال : وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ [ الأحقاق : 21 ] وأما الإسكندرية ودمشق فليستا من بلاد الرمال . المسألة الثالثة : إرم لا تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث . المسألة الرابعة : في قوله : إِرَمَ وجهان وذلك لأنا إن جعلناه اسم القبيلة كان قوله : إِرَمَ عطف بيان لعاد وإيذانا بأنهم عاد الأولى القديمة وإن جعلناه اسم البلدة أو الأعلام كان التقدير بعاد أهل إرم ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، كما في قوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] ويدل عليه قراءة ابن الزبير بعاد إرم على الإضافة . المسألة الخامسة : قرأ الحسن : بِعادٍ إِرَمَ مفتوحين وقرئ : بِعادٍ إِرَمَ بسكون الراء على / التخفيف كما قرئ : بِوَرِقِكُمْ [ الكهف : 19 ] وقرئ : بِعادٍ * إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ بإضافة إِرَمَ إلى ذاتِ الْعِمادِ وقرئ : بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ بدلا من فَعَلَ رَبُّكَ ، والتقدير : ألم تر كيف فعل ربك بعاد جعل ذات العماد رميما ، أما قوله : ذاتِ الْعِمادِ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في إعرابه وجهان وذلك لأنا إن جعلنا : إِرَمَ اسم القبيلة فالمعنى أنهم كانوا بدويين يسكنون الأخبية والخيام والخباء لا بد فيها من العماد ، والعماد بمعنى العمود . وقد يكون جمع العمد أو يكون المراد بذات العماد أنهم طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة وقيل : ذات البناء الرفيع ، وإن جعلناه اسم البلد فالمعنى أنها ذات أساطين أي ذات أبنية مرفوعة على العمد وكانوا يعالجون الأعمدة فينصبونها ويبنون فوقها القصور ، قال تعالى في وصفهم : أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ [ الشعراء : 128 ] أي علامة وبناء رفيعا . المسألة الثانية : روي أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها . فسمع بذكر الجنة فقال : ابني مثلها ، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار ، فلما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته ، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث اللّه عليهم صيحة من السماء فهلكوا ، وعن عبد اللّه بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوصل إلى جنة شداد فحمل ما قدر عليه مما كان هناك وبلغ خبره معاوية فاستحضره وقص عليه ، فبعث إلى كعب فسأله ، فقال : هي إرم ذات العماد ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال ، يخرج في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصر ابن [ أبي ] قلابة فقال : هذا واللّه هو ذلك الرجل . أما قوله : الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ فالضمير في ( مثلها ) إلى ماذا يعود ؟ فيه وجوه : الأول : لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها أي مثل عاد في البلاد في عظم الجثة وشدة القوة ، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع وكان يحمل الصخرة العظيمة فيلقيها على الجمع فيهلكوا الثاني : لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا ، وقرأ