فخر الدين الرازي
154
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ابن الزبير لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها أي لم يخلق اللّه مثلها الثالث : أن الكناية عائدة إلى العماد أي لم يحلق مثل تلك الأساطين في البلاد ، وعلى هذا فالعماد جمع عمد ، والمقصود من هذه الحكاية زجر الكفار فإنه تعالى بين أنه أهلكهم بما كفروا وكذبوا الرسل ، مع الذي اختصوا به من هذه الوجوه ، فلأن تكونوا خائفين من مثل ذلك أيها الكفار إذا أقمتم على كفركم مع ضعفكم كان أولى . أما قوله تعالى : وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ فقال الليث : الجواب قطعك الشيء كما يجاب الجيب يقال جاب يجوب جوبا . وزاد الفراء يجيب جيبا ويقال : جبت البلاد جوبا أي جلت فيها وقطعتها ، قال ابن عباس : كانوا يجوبون البلاد فيجعلون منها بيوتا وأحواضا وما أرادوا من الأبنية ، كما قال : وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [ الأعراف : 74 ] قيل : أول من نحت الجبال والصخور والرخام / ثمود ، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة ، وقوله : بِالْوادِ قال مقاتل : بوادي القرى . وأما قوله تعالى : وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ فالاستقصاء فيه مذكور في سورة ص ، ونقول : الآن فيه وجوه أحدها : أنه سمي ذا الأوتاد لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا وثانيها : أنه كان يعذب الناس ويشدهم بها إلى أن يموتوا ، روى عن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد وجعل على صدرها رحا واستقبل بها عين الشمس فرفعت رأسها إلى السماء وقالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ، ففرج اللّه عن بيتها في الجنة فرأته وثالثها : ذي الأوتاد ، أي ذي الملك والرجال ، كما قال الشاعر : في ظل ملك راسخ الأوتاد ورابعها : روى قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : أن تلك الأوتاد كانت ملاعب يلعبون تحتها لأجله ، واعلم أن الكلام محتمل لكل ذلك ، فبين اللّه تعالى لرسوله أن كل ذلك مما تعظم به الشدة والقول والكثرة لم يمنع من ورود هلاك عظيم بهم ، ولذلك قال تعالى : الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ وفيه مسائل : المسألة الأولى : يحتمل أنه يرجع الضمير إلى فرعون خاصة لأنه يليه ، ويحتمل أن يرجع إلى جميع من تقدم ذكرهم ، وهذا هو الأقرب . المسألة الثانية : أحسن الوجوه في إعرابه أن يكون في محل النصب على الذم ، ويجوز أن يكون مرفوعا على [ الإخبار ، أي ] هم الذين طغوا أو مجرورا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون . المسألة الثالثة : طَغَوْا فِي الْبِلادِ أي عملوا المعاصي وتجبروا على أنبياء اللّه والمؤمنين ثم فسر طغيانهم بقوله تعالى : فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ ضد الصلاح فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر ، فالفساد يتناول جميع أقسام الإثم ، فمن عمل بغير أمر اللّه وحكم في عباده بالظلم فهو مفسد ثم قال تعالى : فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ واعلم أنه يقال : صب عليه السوط وغشاه وقنعه ، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة ، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به . قال القاضي : وشبهه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه ، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال : إن عند اللّه أسواطا كثيرة فأخذهم بسوط منها ، فإن قيل : أليس أن قوله تعالى : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا « 1 » ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [ فاطر : 45 ] يقتضي تأخير العذاب إلى الآخرة فكيف الجمع بين هاتين الآيتين ؟ قلنا :
--> ( 1 ) في المطبوعة ( بظلمهم ) .