فخر الدين الرازي

14

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

السَّماءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ [ المعارج : 8 ، 9 ] . والحالة الثالثة : أن تصير كالهباء وذلك أن تتقطع وتتبدد بعد أن كانت كالعهن وهو قوله : / إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا * فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا [ الواقعة : 4 - 6 ] . والحالة المسألة الرابعة : أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها بإرسال الرياح عليها وهو المراد من قوله : فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [ طه : 105 ] . والحالة الخامسة : أن الرياح ترفعها عن وجه الأرض فتطيرها شعاعا في الهواء كأنها غبار فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجساما جامدة وهي الحقيقة مارة إلا أن مرورها بسبب مرور الرياح بها [ صيرها ] مندكة متفتتة ، وهي قوله : تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [ النحل : 88 ] ثم بين أن تلك الحركة حصلت بقهره وتسخيره ، فقال : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ [ الطور : 10 ] وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً [ الكهف : 47 ] . الحالة السادسة : أن تصير سرابا ، بمعنى لا شيء ، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا ، كما أن من يرى السراب من بعد إذا جاء الموضع الذي كان يراه فيه لم يجده شيئا واللّه أعلم . واعلم أن الأحوال المذكورة إلى هاهنا هي : أحوال عامة ، ومن هاهنا يصف أهوال جهنم وأحوالها . فأولها : قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 21 ] إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً ( 21 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن يعمر : أن جهنم بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة ، بأن جهنم كانت مرصادا للطاغين ، كأنه قيل كان كذلك لإقامة الجزاء . المسألة الثانية : كانت مرصادا ، أي في علم اللّه تعالى ، وقيل صارت ، وهذان القولان نقلهما القفال رحمه اللّه تعالى ، وفيه وجه ثالث ذكره القاضي ، فإنا إذا فسرنا المرصاد بالمرتقب ، أفاد ذلك أن جهنم كانت كالمنتظرة لمقدومهم من قديم الزمان ، وكالمستدعية والطالبة لهم . المسألة الثالثة : في المرصاد قولان : أحدهما : أن المرصاد اسم للمكان الذي يرصد فيه ، كالمضمار اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل ، والمنهاج اسم للمكان الذي ينهج فيه ، وعلى هذا الوجه فيه احتمالان : أحدهما : أن خزنة جهنم يرصدون الكفار والثاني : أن مجاز المؤمنين وممرهم كان على جهنم ، لقوله : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [ مريم : 71 ] فخزنة الجنة يستقبلون المؤمنين عند جهنم ، ويرصدونهم عندها . القول الثاني : أن المرصاد مفعال من الرصد ، وهو الترقب ، بمعنى أن ذلك يكثر منه ، والمفعال من أبنية المبالغة كالمعطار والمعمار والمطعان ، قيل إنها ترصد أعداء اللّه وتشق عليهم ، كما قال تعالى : تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [ الملك : 8 ] قيل ترصد كل كافر ومنافق ، والقائلون بالقول الأول . استدلوا على صحة قولهم بقوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [ الفجر : 14 ] ولو كان المرصاد نعتا لوجب أن يقال : إن ربك لمرصاد .