فخر الدين الرازي
15
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الرابعة : دلت الآية على أن جهنم كانت مخلوفة لقوله تعالى : إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً أي معدة ، وإذا كان كذلك كانت الجنة أيضا كذلك ، لأنه لا قائل بالفرق . وثانيها : قوله : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 22 ] لِلطَّاغِينَ مَآباً ( 22 ) وفيه وجهان : إن قلنا إنه مرصاد للكفار فقط كان قوله : لِلطَّاغِينَ من تمام ما قبله ، والتقدير إن جهنم كانت مرصادا للطاغين ، ثم قوله : مَآباً بدل من قوله : مِرْصاداً وإن قلنا بأنها كانت مرصادا مطلقا للكفار وللمؤمنين ، كان قوله : إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً [ النبأ : 21 ] كلاما تاما ، وقوله : لِلطَّاغِينَ مَآباً كلام مبتدأ كأنه قيل إن جهنم مرصاد للكل ، ومآب للطاغين خاصة ، ومن ذهب إلى القول الأول لم يقف على قوله مرصادا أما من ذهب إلى القول الثاني وقف عليه ، ثم يقول المراد بالطاغين من تكبر على ربه وطغى في مخالفته ومعارضته ، وقوله : مَآباً أي مصيرا ومقرا . وثالثها : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 23 ] لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً ( 23 ) اعلم أنه تعالى لما بين أن جهنم مآب للطاغين ، وبين كمية استقرارهم هناك ، فقال : لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : قرأ الجمهور : لابِثِينَ وقرأ حمزة لبثين وفيه وجهان قال الفراء هما بمعنى واحد يقال لابث ولبث ، مثل طامع . وطمع ، وفاره ، وفره ، وهو كثير ، وقال صاحب الكشاف واللبث أقوى لأن اللابث من وجد منه اللبث ، ولا يقال : لبث إلا لمن شأنه اللبث ، وهو أن يستقر في المكان ، ولا يكاد ينفك عنه . المسألة الثانية : قال الفراء أصل الحقب من الترادف ، والتتابع يقال أحقب ، إذا أردف ومنه الحقيبة ومنه كل من حمل وزرا ، فقد احتقب ، فيجوز على هذا المعنى : لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً أي دهورا متتابعة يتبع بعضها بعضا ، ويدل عليه قوله تعالى : لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً [ الكهف : 60 ] يحتمل سنين متتابعة إلى أن أبلغ أو آنس ، واعلم أن الأحقاب ، واحدها حقب وهو ثمانون سنة عند أهل اللغة ، والحقب السنون واحدتها حقبة وهي زمان من الدهر لا وقت له ثم نقل عن المفسرين فيه وجوه : أحدها : قال عطاء والكلبي ومقاتل عن ابن عباس في قوله : أَحْقاباً الحقب الواحد بضع وثمانون سنة ، والسنة ثلاثمائة وستون يوما ، واليوم ألف سنة من أيام الدنيا ، ونحو هذا روى ابن عمر مرفوعا وثانيها : سأل هلال الهجري عليا عليه السلام . فقال الحقب مائة سنة ، والسنة اثنا عشر شهرا ، والشهر ثلاثون يوما ، واليوم ألف سنة وثالثها : قال الحسن الأحقاب لا يدري أحد ما هي ، ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدون : فإن قيل قوله أحقابا وإن طالت إلا أنها متناهية ، وعذاب أهل النار غير متناه ، بل لو قال لابثين فيها الأحقاب لم يكن هذا السؤال واردا ، ونظير هذا السؤال قوله / في أهل القبلة : إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ * قلنا : الجواب من وجوه : الأول : أن لفظ الأحقاب لا يدل على مضي حقب له نهاية وإنما الحقب الواحد متناه ، والمعنى أنهم