فخر الدين الرازي

11

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أما المعصرات ففيها قولان : الأول : وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ، وقول مجاهد ، ومقاتل والكلبي وقتادة إنها الرياح التي تثير السحاب ودليله قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً [ الروم : 48 ] فإن قيل على هذا التأويل كان ينبغي أن يقال وأنزلنا بالمعصرات ، قلنا : الجواب : من وجهين الأول : أن المطر إنما ينزل من السحاب ، والسحاب إنما يثيره الرياح ، فصح أن يقال هذا المطر إنما حصل من تلك الرياح ، كما يقال هذا من فلان ، أي من جهته وبسببه الثاني : أن من هاهنا بمعنى الباء والتقدير ، وأنزلنا بالمعصرات أي بالرياح المثيرة للسحاب ويروى عن عبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن الزبير وعكرمة أنهم قرءوا ( وأنزلنا بالمعصرات ) وطعن الأزهري في هذا القول ، وقال الأعاصير من الرياح ليست من رياح المطر ، وقد وصف اللّه تعالى المعصرات بالماء الثجاج وجوابه : أن الإعصار ليست من رياح المطر ، فلم لا يجوز أن تكون المعصرات من رياح المطر ؟ القول الثاني : وهو الرواية الثانية عن ابن عباس واختيار أبي العالية والربيع والضحاك أنها السحاب ، وذكروا في تسمية السحاب بالمعصرات وجوها أحدها : قال المؤرج : المعصرات السحائب بلغة قريش وثانيها : قال المازني يجوز أن تكون المعصرات هي السحائب ذوات الأعاصير فإن السحائب إذا عصرتها الأعاصير لا بد وأن ينزل المطر منها وثالثها : أن المعصرات هي السحائب التي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك : أجز الزرع إذا حان له أن يجز ، / ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض ، وأما الثجاج فاعلم أن الثج شدة الانصباب يقال : مطر ثجاج ودم ثجاج أي شديد الانصباب . واعلم أن الثج قد يكون لازما ، وهو بمعنى الانصباب كما ذكرنا ، وقد يكون متعديا بمعنى الصب وفي الحديث « أفضل الحج العج والثج » أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدي ، وكان ابن عباس مثجا أي يثج الكلام ثجا في خطبته وقد فسروا الثجاج في هذه الآية على الوجهين ، وقال الكلبي ومقاتل وقتادة الثجاج هاهنا المتدفق المنصب ، وقال الزجاج معناه الصباب كأنه يثج نفسه أي يصب . وبالجملة فالمراد تتابع القطر حتى يكثر الماء فيعظم النفع به . [ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 15 إلى 16 ] لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً ( 15 ) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً ( 16 ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : كل شيء نبت من الأرض فإما أن لا يكون له ساق وإما أن يكون ، فإن لم يكن له ساق فإما أن يكون له أكمام وهو الحب وإما أن لا يكون له أكمام وهو الحشيش وهو المراد هاهنا بقوله : وَنَباتاً وإلى هذين القسمين الإشارة بقوله تعالى : كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ [ طه : 54 ] وأما الذي له ساق فهو الشجر فإذا اجتمع منها شيء كثير سميت جنة ، فثبت بالدليل العقلي انحصار ما ينبت في الأرض في هذه الأقسام الثلاثة ، وإنما قدم اللّه تعالى الحب لأنه هو الأصل في الغذاء ، وإنما ثنى بالنبات لاحتياج سائر الحيوانات إليه ، وإنما أخر الجنات في الذكر لأن الحاجة إلى الفواكه ليست ضرورية . المسألة الثانية : اختلفوا في ألفافا ، فذكر صاحب « الكشاف » أنه لا واحد له كالاوزاع والأخياف ، والأوزاع الجماعات المتفرقة والأخياف الجماعات المختلطة . وكثير من اللغويين أثبتوا له واحدا ، ثم اختلفوا فيه ، فقال