فخر الدين الرازي

12

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الأخفش والكسائي : واحدها لف بالكسر ، وزاد الكسائي : لف بالضم ، وأنكر المبرد الضم ، وقال : بل واحدها لفاء . وجمعها لف ، وجمع لف ألفاف ، وقيل يحتمل أن يكون جمع لفيف كشريف وأشراف نقله القفال رحمه اللّه ، إذا عرفت هذا فنقول قوله : وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً أي ملتفة ، والمعنى أن كل جنة فإن ما فيها من الشجر تكون مجتمعة متقاربة ، ألا تراهم يقولون امرأة لفاء إذا كانت غليظة الساق مجتمعة اللحم يبلغ من تقاربه أن يتلاصق . المسألة الثالثة : كان الكعبي من القائلين بالطبائع ، فاحتج بقوله تعالى : لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً وقال : إنه يدل على بطلان قول من قال إن اللّه تعالى لا يفعل شيئا بواسطة شيء آخر . [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 17 ] إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً ( 17 ) اعلم أن التسعة التي عددها اللّه تعالى نظرا إلى حدوثها في ذواتها وصفاتها ، ونظرا إلى إمكانها في ذواتها وصفاتها تدل على القادر المختار ، ونظرا إلى ما فيها من الإحكام والإتقان تدل على أن فاعلها عالم ، ثم إن ذلك الفاعل القديم يجب أن يكون علمه وقدرته واجبين ، إذ لو كانا جائزين لافتقر إلى فاعل آخر ويلزم التسلسل وهو محال ، وإذا كان العلم والقدرة واجبين وجب تعلقهما بكل ما صح أن يكون مقدورا ومعلوما وإلا لافتقر إلى المخصص وهو محال ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون قادرا على جميع الممكنات عالما بجميع المعلومات ، وقد ثبت الإمكان وثبت عموم القدرة في الجسمية فكل ما صح على واحد منها صح على الآخر ، فكما يصح على الأجسام السلفية الانشقاق والانفطار والظلمة وجب أن يصح ذلك على الأجسام ، وإذا ثبت الإمكان وثبت عموم القدرة والعلم ، ثبت أنه تعالى قادر على تخريب الدنيا ، وقادر إيجاد عالم آخر ، وعند ذلك ثبت أن القول بقيام القيامة ممكن عقلا وإلى هاهنا يمكن إثباته بالعقل ، فأما ما وراء ذلك من وقت حدوثها وكيفية حدوثها فلا سبيل إليه إلا بالسمع ، ثم إنه تعالى تكلم في هذه الأشياء بقوله : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً ثم إنه تعالى ذكر بعض أحوال القيامة فأولها : قوله : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً والمعنى أن هذا اليوم كان في تقدير اللّه ، وحكمه حدا تؤقت به الدنيا ، أو حدا للخلائق ينتهون إليه ، أو كان ميقاتا لما وعد اللّه من الثواب والعقاب ، أو كان ميقاتا لاجتماع كل الخلائق في فصل الحكومات وقطع الخصومات . وثانيها : قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 18 ] يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً ( 18 ) اعلم أن يَوْمَ يُنْفَخُ بدل من يوم الفصل ، أو عطف بيان ، وهذا النفخ هو النفخة الأخيرة التي عندها يكون الحشر ، والنفخ في الصور فيه قولان : أحدهما : أن الصور جمع الصور ، فالنفخ في الصور عبارة عن نفخ الأرواح في الأجساد والثاني : أن الصور عبارة عن قرن ينفخ فيه . وتمام الكلام في الصور وما قيل فيه قد تقدم في سورة الزمر ، وقوله : فَتَأْتُونَ أَفْواجاً معناه أنهم يأتون ذلك المقام فوجا فوجا حتى يتكامل اجتماعهم . قال عطاء كل نبي يأتي مع أمته ، ونظيره قوله تعالى : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [ الإسراء : 71 ] وقيل جماعات مختلفة ، روى صاحب « الكشاف » عن معاذ أنه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنه ، فقال عليه السلام : يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور ، ثم أرسل عينيه وقال : يحشر عشرة أصناف من أمتي بعضهم على صورة القردة ، وبعضهم على