فخر الدين الرازي
618
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الوجهين اللذين ذكرتم مجاز ، والأصل في الكلام الحقيقة . [ سورة القلم ( 68 ) : آية 51 ] وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ( 51 ) قوله تعالى : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ فيه مسألتان : المسألة الأولى : إن مخففة من الثقيلة واللام علمها . المسألة الثانية : قرئ : لَيُزْلِقُونَكَ بضم الياء وفتحها ، وزلقه وأزلقه بمعنى ويقال : زلق / الرأس وأزلقه حلقه ، وقرئ ليزهقونك من زهقت نفسه وأزهقها ، ثم فيه وجوه أحدها : أنهم من شدة تحديقهم ونظرهم إليك شزرا بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك من قولهم : نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني ، ويكاد يأكلني ، أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله ، قال الشاعر : يتقارضون إذا التقوا في موطن * نظرا يزل مواطئ الأقدام وأنشد ابن عباس لما مر بأقوام حددوا النظر إليه : نظروا إلي بأعين محمرة * نظر التيوس إلى شفار الجازر وبين اللّه تعالى أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم للقرآن وهو قوله : لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ الثاني : منهم من حمله على الإصابة بالعين ، وهاهنا مقامان أحدهما : الإصابة بالعين ، هل لها في الجملة حقيقة أم لا ؟ الثاني : أن بتقدير كونها صحيحة ، فهل الآية هاهنا مفسرة بها أم لا ؟ . المقام الأول : من الناس من أنكر ذلك ، وقال : تأثير الجسم في الجسم لا يعقل إلا بواسطة المماسة ، وهاهنا لا مماسة ، فامتنع حصول التأثير . واعلم أن المقدمة الأولى ضعيفة ، وذلك لأن الإنسان إما أن يكون عبارة عن النفس أو عن البدن ، فإن كان الأول لم يمتنع اختلاف النفوس في جواهرها وماهياتها ، وإذا كان كذلك لم يمتنع أيضا اختلافها في لوازمها وآثارها ، فلا يستبعد أن يكون لبعض النفوس خاصية في التأثير ، وإن كان الثاني لم يمتنع أيضا أن يكون مزاج إنسان واقعا على وجه مخصوص يكون له أثر خاص ، وبالجملة فالاحتمال العقلي قائم ، وليس في بطلانه شبهة فضلا عن حجة ، والدلائل السمعية ناطقة بذلك ، كما يروى أنه عليه الصلاة والسلام قال : « العين حق » و قال : « العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر » . والمقام الثاني : من الناس من فسر الآية بهذا المعنى قالوا : كانت العين في بني أسد ، وكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شيء ، فيقول فيه : لم أر كاليوم مثله إلا عانه ، فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة أن يقول في رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ذلك ، فعصمه اللّه تعالى ، وطعن الجبائي في هذا التأويل وقال : الإصابة بالعين تنشأ عن استحسان الشيء ، والقوم ما كانوا ينظرون إلى الرسول عليه السلام على هذا الوجه ، بل كانوا يمقتونه ويبغضونه ، والنظر على هذا الوجه لا يقتضي الإصابة بالعين . واعلم أن هذا السؤال ضعيف ، لأنهم وإن كانوا يبغضونه من حيث الدين لعلهم كانوا يستحسنون فصاحته ، وإيراده للدلائل . وعن الحسن : دواء الإصابة بالعين قراءة هذه الآية .