فخر الدين الرازي
602
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثالثة : قال : سعيد بن هشام : قلت لعائشة : « أخبريني عن خلق رسول اللَّه ، قالت ألست قرأ القرآن ؟ قلت : بلى قالت : فإنه كان خلق النبي عليه الصلاة والسلام » وسئلت مرة أخرى فقالت : كان خلقه القرآن ، ثم قرأت : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [ المؤمنون : 1 ] إلى عشرة آيات ، وهذا إشارة إلى أن نفسه المقدسة كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيب ، وإلى كل ما يتعلق بها ، وكانت شديدة النفرة عن اللذات البدنية والسعادة الدنيوية بالطبع ومقتضى الفطرة ، اللهم ارزقنا شيئا من هذه الحالة . وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : « ما كان أحد أحسن خلقا من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال : لبيك » فلهذا قال : تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وقال أنس : « خدمت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عشر سنين ، فما قال لي في شي فعلته لم فعلت ، ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت » وأقول : إن اللَّه تعالى وصف ما يرجع إلى قوته النظرية بأنه عظيم ، فقال : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [ النساء : 113 ] ووصف ما يرجع إلى قوته العلمية بأنه عظيم فقال : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فلم يبق للإنسان بعد هاتين القوتين شيء ، فدل / مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية كانت عظيمة عالية الدرجة ، كأنها لقوتها وشدة كمالها كانت من جنس أرواح الملائكة . واعلم أنه تعالى لما وصفه بأنه على خلق عظيم قال : [ سورة القلم ( 68 ) : آية 5 ] فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ( 5 ) أي فسترى يا محمد ويرون يعني المشركين ، وفيه قولان : منهم من حمل ذلك على أحوال الدنيا ، يعني فستبصر ويبصرون في الدنيا أنه كيف يكون عاقبة أمرك وعاقبة أمرهم ، فإنك تصير معظما في القلوب ، ويصيرون دليلين ملعونين ، وتستولي عليهم بالقتل والنهب ، قال مقاتل : هذا وعيد بالعذاب ببدر ، ومنهم من حمله على أحوال الآخرة وهو كقوله : سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ [ القمر : 26 ] . وأما قوله تعالى : [ سورة القلم ( 68 ) : آية 6 ] بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ( 6 ) ففيه وجوه : أحدها : وهو قول الأخفس وأبي عبيدة وابن قتيبة : أن الباء صلة زائدة والمعنى أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون كقوله : تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [ المؤمنين : 20 ] أي تنبت الدهن وأنشد أبو عبيدة : نضرب بالسيف ونرجو بالفرج والفراء طعن في هذا الجواب وقال : إذا أمكن فيه بيان المعنى الصحيح من دون طرح الباء كان ذلك أولى ، وأما البيت فمعناه نرجو كشف ما نحن فيه بالفرج أو نرجو النصر بالفرج وثانيها : وهو اختيار الفراء والمبرد أن المفتون هاهنا بمعنى الفتون وهو الجنون ، ولا مصادر تجيء على المفعول نحو المقعود والميسور بمعنى العقد واليسر ، يقال : ليس له معقود رأي أي عقد رأي ، وهذا قول الحسن والضحاك ورواية عطية عن ابن عباس وثالثها : أن الباء بمعنى في ومعنى الآية : فستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون ، أفي فرقة الإسلام أم في فرقة الكفار ورابعها : المفتون هو الشيطان إذ لا شك أنه مفتون في دينه وهم لما قالوا إنه مجنون فقد قالوا : إن به شيطانا فقال : تعالى : سيعملون غدا بأيهم شيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل ثم قال تعالى :