فخر الدين الرازي

603

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة القلم ( 68 ) : آية 7 ] إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 7 ) وفيه وجهان : الأول : هو أن يكون المعين إن ربك هو أعلم بالمجانين عل الحقيقة ، وهم الذي ضلوا عن سبيله وهو أعلم بالعقلاء وهم المهتدون الثاني : أن يكون المعنى إنهم رموك بالجنون ووصفوا أنفسهم بالعقل وهم كذبوا في ذلك ، ولكنهم موصوفون بالضلال ، وأنت موصوف بالهداية والامتياز الحاصل بالهداية والضلال أولى بالرعاية من الامتياز الحاصل بسبب العقل والجنون ، لأن ذاك / ثمرته السعادة الأبدية [ أ ] والشقاوة ، وهذا ثمرته السعادة [ أ ] والشقاوة في الدنيا . [ سورة القلم ( 68 ) : آية 8 ] فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ( 8 ) اعلم أنه تعالى لما ذكر ما عليه الكفار في أمر الرسول ونسبته إلى الجنون مع الذي أنعم اللَّه به عليه من الكمال في أمر الدين والخلق ، أتبعه بما يدعوه إلى التشدد مع قومه وقوى قلبه بذلك مع قلة العدد وكثرة الكفار ، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل فقال : فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ يعني رؤساء أهل مكة ، وذلك أنهم دعوه إلى دين آبائه فنهاه اللَّه أن يطيعهم ، وهذا من اللَّه إلهاب وتهييج التشدد في مخالفتهم . ثم قال : [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 9 إلى 13 ] وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ( 9 ) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ ( 10 ) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ( 11 ) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ( 12 ) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ( 13 ) [ في قوله تعالى وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ] وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الليث : الإدهان اللين والمصانعة والمقاربة في الكلام ، قال : المبرد : داهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر ، والمعنى تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه مصانعة لهم فيفعلوا مثل ذلك ويتركوا بعض ما لا ترضي فتلين لهم ويلينون لك ، وروى عطاء عن ابن عباس : لو تكفر فيكفرون . المسألة الثانية : إنما رفع فَيُدْهِنُونَ ولم ينصب بإضمار أن وهو جواب التمني لأنه قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف أي فهم يدهنون كقوله : فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ [ الجن : 13 ] على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ ، قال سيبويه : ومعم هارون وكان من القراء أنها في بعض المصاحف : ( ودوا لو تدهن فيدهنوا ) . [ البحث في الصفات المذمومة للكفار في هذه الآيات ] واعلم أنه تعالى لما نهاه عن طاعة المكذبين ، وهذا يتناول النهي عن طاعة جميع الكفار إلا أنه أعاد النهي عن طاعة من كان الكفا موصوفا بصفات مذمومة وراء الكفر ، وتلك الصفات هي هذه : الصفة الأولى : كونه حلافا ، والحلاف من كان كثير الحلف في الحق والباطل ، وكفى به مزجرة لمن اعتاد