فخر الدين الرازي
749
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً [ الإسراء : 99 ] مثل برد وبرود وإن شئت مصدرا واحدا في معنى جمع مثل قعد قعودا وخرج خروجا . المسألة الرابعة : قوله : إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يحتمل وجهين أحدهما : أن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم لا لإرادة مكافأتكم والثاني : أنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب اللّه على طلب المكافأة بالصدقة ، فإن قيل : إنه تعالى حكى عنهم الإيفاء بالنذر وعلل ذلك بخوف القيامة فقط ، ولما حكى عنهم الإطعام علل ذلك بأمرين بطلب رضاء اللّه وبالخوف عن القيامة فما السبب فيه ؟ قلنا : الإيفاء بالنذر دخل في حقيقة طلب رضاء اللّه تعالى ، وذلك لأن النذر هو الذي أوجبه الإنسان على نفسه لأجل اللّه فلما كان كذلك لا جرم ضم إليه خوف القيامة فقط ، أما الإطعام ، فإنه لا يدخل في حقيقة طلب رضا اللّه ، فلا جرم ضم إليه طلب رضا اللّه وطلب الحذر من خوف القيامة . المسألة الخامسة : وصف اليوم بالعبوس مجازا على طريقتين أحدهما : أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء كقولهم : نهارك صائم ، روي أن الكافر يحبس حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران والثاني : أن يشبه في شدته وضراوته بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل . المسألة السادسة : قال الزجاج : جاء في التفسير أن قمطريرا معناه تعبيس الوجه ، فيجتمع ما بين العينين ، قال : وهذا سائغ في اللغة يقال : اقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها ورمت بأنفها يعني أن معنى اقمطر في اللغة جمع ، وقال الكلبي : قمطريرا يعني شديدا وهو قول الفراء وأبي عبيدة والمبرد وابن قتيبة ، قالوا : يوم قمطرير ، وقماطر إذا كان صعبا شديدا أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء ، قال الواحدي : هذا معنى والتفسير هو الأول . [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 11 ] فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ( 11 ) اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم أتوا بالطاعات لغرضين طلب رضا اللّه والخوف من القيامة بين في هذه الآية أنه أعطاهم هذين الغرضين ، أما الحفظ من هول القيامة ، فهو المراد بقوله : فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وسمى شدائدها شرا توسعا على ما علمت ، واعلم أن هذه الآية أحد ما يدل على أن شدائد الآخرة لا تصل إلا إلى أهل العذاب ، وأما طلب رضاء اللّه تعالى فأعطاهم بسببه نضرة في الوجه وسرورا في القلب ، وقد مر تفسير وَلَقَّاهُمْ في قوله : وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً [ الفرقان : 75 ] وتفسير النضرة في قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ [ القيامة : 23 ] والتنكير في سُرُوراً : للتعظيم والتفخيم . [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 12 إلى 13 ] وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ( 12 ) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً ( 13 ) وقوله تعالى : وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً والمعنى وجزاهم بصبرهم على الإيثار وما يؤدي إليه من الجوع والعري ، بستانا فيه مأكل هنيء وحريرا فيه ملبس بهي ، ونظيره قوله تعالى : وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ * [ الحج : 23 ] أقول : وهذا يدل على أن المراد من قوله : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ [ الإنسان : 9 ] ليس هو الإطعام فقط