فخر الدين الرازي
750
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بل جميع أنواع المواساة من الطعام والكسوة ، ولما ذكر تعالى طعامهم ولباسهم ، وصف مساكنهم ، ثم إن المعتبر في المساكن أمور : أحدها : الموضع الذي يجلس فيه فوصفه بقوله : مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ وهي السرر في الحجال ، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعت ، وفي نصب متكئين وجهان الأول : قال الأخفش : إنه نصب على الحال ، والمعنى وجزاهم جنة في حال اتكائهم كما تقول : جزاهم ذلك قياما ، والثاني : قال الأخفش : وقد يكون على المدح . والثاني : هو المسكن فوصفه بقوله : لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً وفيه وجهان أحدهما : أن هواءها معتدل في الحر والبرد والثاني : أن الزمهرير هو القمر في لغة طيء هكذا رواه ثعلب وأنشد : وليلة ظلامها قد اعتكر * قطعتها والزمهرير ما زهر والمعنى أن الجنة ضياء فلا يحتاج فيها إلى شمس وقمر . [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 14 ] وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً ( 14 ) والثالث : كونه بستانا نزها ، فوصفه اللّه تعالى بقوله : وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وفي الآية سؤالان الأول : ما السبب في نصب وَدانِيَةً ؟ الجواب : ذكر الأخفش والكسائي والفراء والزجاج فيه وجهين أحدهما : الحال بالعطف على قوله : مُتَّكِئِينَ كما تقول في الدار : عبد اللّه متكئا ومرسلة عليه الحجال ، لأنه حيث قال : عليهم رجع إلى ذكرهم والثاني : الحال بالعطف على محل : يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً [ الإنسان : 13 ] والتقدير غير رائين فيها شمسا ولا زمهريرا ودانية عليهم ظلالها ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين يجتمعان لهم ، كأنه قيل : وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحر والبرد ، ودنو الظلال عليهم والثالث : أن يكون دانية نعتا للجنة ، والمعنى : وجزاهم جنة دانية ، وعلى هذا الجواب تكون دانية صفة لموصوف محذوف ، كأنه قيل : وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا ، وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها ، وذلك لأنهم وعدوا جنتين ، وذلك لأنهم خافوا بدليل قوله : إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا [ الإنسان : 10 ] وكل من خاف فله جنتان ، بدليل قوله : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] وقرئ : وَدانِيَةً بالرفع على أن ظِلالُها مبتدأ وَدانِيَةً خبر ، والجملة في موضع الحال ، والمعنى : لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا والحال أن ظلالها دانية عليهم . السؤال الثاني : الظلل إنما يوجد حيث توجد الشمس ، فإن كان لا شمس في الجنة فكيف يحصل الظل هناك ؟ والجواب : أن المراد أن أشجار الجنة تكون بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار مظلله منها . قوله تعالى : وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا ذكروا في ذللت وجهين الأول : قال ابن قتيبة : ذللت أدنيت منهم من قولهم : حائط ذليل إذا كان قصير السمك والثاني : ظللت أي جعلت منقادة ولا تمتنع على قطافها كيف شاءوا . قال البراء بن عازب : ذللت لهم فهم يتناولون منها كيف شاءوا ، فمن أكل قائما لم يؤذه ومن أكل جالسا لم يؤده ومن أكل مضطجعا لم يؤذه . واعلم أنه تعالى لما وصف طعامهم ولباسهم ومسكنهم وصف بعد ذلك شرابهم وقدم عليه / وصف تلك الأواني التي فيها يشربون فقال :