فخر الدين الرازي

737

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أمر أخراك ، وقال آخرون : المعنى الويل لك مرة بعد ذلك ، وقال القفال : هذا يحتمل وجوها أحدها : أنه وعيد مبتدأ من اللّه للكافرين والثاني : أنه شيء قاله النبي صلى اللّه عليه وسلم لعدوه فاستنكره عدو اللّه لعزته عند نفسه ، فأنزل اللّه تعالى مثل ذلك والثالث : أن يكون ذلك أمرا من اللّه لنبيه ، بأن يقولها لعدو اللّه ، فيكون المعنى ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى [ القيامة : 33 ] فقل له : يا محمد : أَوْلى لَكَ فَأَوْلى أي احذر ، فقد قرب منك مالا قبل لك به من المكروه . [ سورة القيامة ( 75 ) : آية 36 ] أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) أي مهملا لا يؤمر ، ولا ينهى ، ولا يكلف في الدنيا ولا يحاسب بعمله في الآخرة ، والسدى في اللغة المهمل يقال : أسديت إبلي إسداء أهملتها . واعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة ، قوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ [ القيامة : 3 ] أعاد في آخر السورة ذلك ، وذكر في صحة البعث والقيامة دليلين الأول : قوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ / أَنْ يُتْرَكَ سُدىً [ القيامة : 36 ] ونظيره قوله : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى [ طه : 15 ] وقوله : أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ ص : 28 ] وتقريره أن إعطاء القدرة والآلة والعقل بدون التكليف والأمر بالطاعة والنهي عن المفاسد يقتضي كونه تعالى راضيا بقبائح الأفعال ، وذلك لا يليق بحكمته ، فإذا لا بد من التكليف والتكليف لا يحسن ولا يليق بالكريم الرحيم إلا إذا كان هناك دار الثواب والبعث والقيامة . الدليل الثاني : على صحة القول بالحشر الاستدلال بالخلقة الأولى على الإعادة ، وهو المراد من قوله تعالى . [ سورة القيامة ( 75 ) : آية 37 ] أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : النطفة هي الماء القليل وجمعها نطاف ونطف ، يقول : ألم يك ماء قليلا في صلب الرجل وترائب المرأة ؟ وقوله : مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى أي يصب في الرحم ، وذكرنا الكلام في يمنى عند قوله : مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى [ النجم : 46 ] وقوله : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ [ الواقعة : 58 ] فإن قيل : ما الفائدة في يمنى في قوله : مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ؟ قلنا : فيه إشارة إلى حقارة حاله ، كأنه قيل : إنه مخلوق من المني الذي جرى على مخرج النجاسة ، فلا يليق بمثل هذا الشيء أن يتمرد عن طاعة اللّه تعالى إلا أنه عبر عن هذا المعنى ، على سبيل الرمز كما في قوله تعالى في عيسى ومريم : كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [ المائدة : 75 ] والمراد منه قضاء الحاجة . المسألة الثانية : في يمنى في هذه السورة قراءتان التاء والياء ، فالتاء للنطفة ، على تقدير ألم يك نطفة تمنى من المني ، والياء للمني من مني يمنى ، أي يقدر خلق الإنسان منه . [ سورة القيامة ( 75 ) : آية 38 ] ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 )