فخر الدين الرازي
725
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
تكن ، والدليل عليه أن الأجسام متماثلة ، فيصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر ، واللّه قادر على كل الممكنات ، فوجب أن يقدر على إزالة الضوء عن القمر في جميع الأحوال . قوله تعالى : يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ أي يقول هذا الإنسان المنكر للقيامة إذا / عاين هذه الأحوال أين المفر ، والقراءة المشهورة بفتح الفاء ، وقرئ أيضا بكسر الفاء ، والمفر بفتح الفاء هو الفرار ، قال الأخفش والزجاج : المصدر من فعل يفعل مفتوح العين . وهو قول جمهور أهل اللغة ، والمعنى أين الفرار ، وقول القائل : أين الفرار يحتمل معنيين أحدهما : أنه لا يرى علامات مكنة الفرار فيقول حينئذ : أين الفرار ، كما إذا أيس من وجدان زيد يقول : أين زيد والثاني : أن يكون المعنى إلى أين الفرار ، وأما المفر بكسر الفاء فهو الموضع ، فزعم بعض أهل اللغة أن المفر بفتح الفاء كما يكون اسما للمصدر ، فقد يكون أيضا اسما للموضع والمفر بكسر الفاء كما يكون اسما للموضع ، فقد يكون مصدرا ونظيره المرجع . [ سورة القيامة ( 75 ) : آية 11 ] كَلاَّ لا وَزَرَ ( 11 ) قوله تعالى : كَلَّا وهو ردع عن طلب المفر لا وَزَرَ قال المبرد والزجاج : أصل الوزر الجبل المنيع ، ثم يقال : لكل ما التجأت إليه وتحصنت به وزر ، وأنشد المبرد قول كعب بن مالك : الناس آلت علينا فيك ليس لنا * إلا السيوف وأطراف القنا وزر ومعنى الآية أنه لا شيء يعتصم به من أمر اللّه . ثم قال تعالى : [ سورة القيامة ( 75 ) : آية 12 ] إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ( 12 ) وفيه وجهان أحدهما : أن يكون المستقر بمعنى الاستقرار ، بمعنى أنهم لا يقدرون أن يستقروا إلى غيره ، وينصبوا إلى غيره ، كما قال : إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى [ العلق : 8 ] وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * [ النور : 42 ] أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [ الشورى : 53 ] وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [ النجم : 12 ] الثاني : أن يكون المعنى إلى ربك مستقرهم ، أي موضع قرارهم من جنة أو نار ، أي مفوض ذلك إلى مشيئته من شاء أدخله الجنة ، ومن شاء أدخله النار . [ سورة القيامة ( 75 ) : آية 13 ] يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ ( 13 ) بما قدم من عمل عمله ، وبما أخر من عمل لم يعمله ، أو بما قدم من ماله فتصدق به وبما أخره فخلفه ، أو بما قدم من عمل الخير والشر وبما أخر من سنة حسنة أو سيئة ، فعمل بها بعده ، وعن مجاهد أنه مفسر بأول العمل وآخره ، ونظيره قوله : فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [ المجادلة : 6 ] وقال : وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ [ يس : 12 ] واعلم أن الأظهر أن هذا الإنباء يكون يوم القيامة عند العرض ، والمحاسبة ووزن الأعمال ، ويجوز أن يكون عند الموت وذلك أنه إذا مات بين له مقعده من الجنة والنار . [ سورة القيامة ( 75 ) : آية 14 ] بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 14 )