فخر الدين الرازي
726
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أنه تعالى لما قال : يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بأعماله ، قال : بل لا يحتاج إلى أن ينبئه غير غيره ، وذلك لأن نفسه شاهدة بكونه فاعلا لتلك الأفعال ، مقدما عليها ، ثم في قوله : بَصِيرَةٌ وجهان الأول : قال الأخفش جعله في نفسه بصيرة كما يقال : فلان جود وكرم ، فههنا / أيضا كذلك ، لأن الإنسان بضرورة عقله يعلم أن ما يقربه إلى اللّه ويشغله بطاعته وخدمته فهو السعادة ، وما يبعده عن طاعة اللّه ويشغله بالدنيا ولذاتها فهو الشقاوة ، فهب أنه بلسانه يروج ويزور ويرى الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق ، لكنه بعقله السليم يعلم أن الذي هو عليه في ظاهره جيد أو رديء والثاني : أن المراد جوارحه تشهد عليه بما عمل فهو شاهد على نفسه بشهادة جوارحه ، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل وهو كقوله : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ [ النور : 24 ] وقوله : وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ [ يس : 36 ] وقوله : شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ [ فصلت : 20 ] فأما تأنيث البصيرة ، فيجوز أن يكون لأن المراد بالإنسان هاهنا الجوارح كأنه قيل : بل جوارح الإنسان ، كأنه قيل بل جوارح الإنسان على نفس الإنسان بصيرة ، وقال أبو عبيدة هذه الهاء لأجل المبالغة كقوله : رجل راوية وطاغية وعلامة . واعلم أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أن الإنسان يخبر يوم القيامة بأعماله . ثم ذكر في هذه الآية أنه شاهد على نفسه بما عمل ، فقال الواحدي هذا يكون من الكفار فإنهم ينكرون ما عملوا فيختم اللّه على أفواههم وينطق جوارحهم . [ سورة القيامة ( 75 ) : آية 15 ] وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ ( 15 ) للمفسرين فيه أقوال : الأول : قال الواحدي : المعاذير جمع معذرة يقال : معذرة ومعاذر ومعاذير . قال صاحب « الكشاف » : جمع المعذرة معاذر والمعاذير ليس جمع معذرة ، وإنما هو اسم جمع لها ، ونحوه المناكير في المنكر ، والمعنى أن الإنسان وإن اعتذر عن نفسه وجادل عنها وأتى بكل عذر وحجة ، فإنه لا ينفعه ذلك لأنه شاهد على نفسه القول الثاني : قال الضحاك والسدي والفراء والمبرد والزجاج المعاذير الستور ، واحدها معذار ، قال المبرد : هي لغة يمانية ، قال صاحب « الكشاف » : إن صحت هذه الرواية فذاك مجاز من حيث إن الستر يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة الذنب ، والمعنى على هذا القول : أنه وإن أسبل الستر ليخفي ما يعمل ، فإن نفسه شاهدة عليه . [ سورة القيامة ( 75 ) : آية 16 ] لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : زعم قوم من قدماء الروافض أن هذا القرآن قد غير وبدل وزيد فيه ونقص عنه ، واحتجوا عليه بأنه لا مناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها ولو كان هذا الترتيب من اللّه تعالى لما كان الأمر كذلك . واعلم أن في بيان المناسبة وجوها أولها : يحتمل أن يكون الاستعجال المنهي عنه ، إنما اتفق للرسول عليه السلام عند إنزال هذه الآيات عليه ، فلا جرم نهى عن ذلك الاستعجال في هذا الوقت ، وقيل له : لا تحرك به لسانك لتعجل به وهذا كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه / شيئا ، فأخذ التلميذ يلتفت يمينا وشمالا ، فيقول : المدرس في أثناء ذلك الدرس لا تلتفت يمينا وشمالا ثم يعود إلى الدرس ، فإذا نقل ذلك الدرس مع