فخر الدين الرازي

713

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

العدد ، فقال تعالى : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ فهب أن هؤلاء تسعة عشر إلا أن لكل واحد منهم من الأعوان والجنود مالا يعلم عددهم إلا اللّه وثانيها : وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو ، فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين ولكن له في هذا العدد حكمة لا يعلمها الخلق وهو جل جلاله يعلمها وثالثها : أنه لا حاجة باللّه سبحانه في تعذيب الكفار والفساق إلى هؤلاء الخزنة ، فإنه هو الذي يعذبهم في الحقيقة ، وهو الذي يخلق الآلام فيهم ، ولو أنه تعالى قلب شعرة في عين ابن آدم أو سلط الألم على عرق واحد من عروق بدنه لكفاه ذلك بلاء ومحنة ، فلا يلزم من تقليل عدد الخزنة قلة العذاب ، فجنود اللّه غير متناهية لأن مقدوراته غير متناهية . قوله تعالى : وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ الضمير في قوله : وَما هِيَ إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : أنه عائد إلى سقر ، والمعنى وما سقر وصفتها إلا تذكرة للبشر والثاني : أنه عائد إلى هذه الآيات المشتملة على هذه المتشابهات ، وهي ذكرى لجميع العالمين ، وإن كان المنتفع بها ليس إلا أهل الإيمان . [ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 32 إلى 33 ] كَلاَّ وَالْقَمَرِ ( 32 ) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ( 33 ) ثم قال تعالى : كَلَّا وفيه وجوه أحدها : أنه إنكار بعد أن جعلها ذكرى ، أن تكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون وثانيها : أنه ردع لمن ينكر أن يكون إحدى الكبر نذيرا وثالثها : أنه ردع لقول أبي جهل وأصحابه : إنهم يقدرون على مقاومة خزنة النار ورابعها : أنه ردع لهم عن الاستهزاء بالعدة المخصوصة . ثم قال تعالى : وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وفيه قولان : الأول : قال الفراء والزجاج : دبر وأدبر بمعنى واحد كقبل وأقبل ويدل على هذا قراءة من قرأ إذا دبر ، وروى أن مجاهدا سأل ابن عباس عن قوله : أَدْبَرَ فسكت حتى إذا أدبر الليل قال : يا مجاهد هذا حين دبر الليل ، وروى أبو الضحى أن ابن عباس كان يعيب هذه القراءة ويقول : إنما يدبر ظهر البعير ، قال الواحدي : والقراءتان عند أهل اللغة سواء على ما ذكرنا ، وأنشد أبو علي : وأبى الذي ترك الملوك وجمعهم * بصهاب هامدة كأمس الدابر القول الثاني : قال أبو عبيدة وابن قتيبة : دبر أي جاء بعد النهار ، يقال : دبرني أي جاء خلفي ودبر الليل أي جاء بعد النهار ، قال قطرب : فعلى هذا معنى إذا دبر إذا أقبل بعد مضي النهار . [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 34 ] وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ( 34 ) أي أضاء ، وفي الحديث : « أسفروا بالفجر » ومنه قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ [ عبس : 38 ] أي مضيئة . ثم قال تعالى : [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 35 ] إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ ( 35 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : هذا الكلام هو جواب القسم أو تعليل لكلام والقسم معترض للتوكيد .