فخر الدين الرازي

712

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الشبهة ، فإذا اجتهد الإنسان فيه وحصل له اليقين فربما غفل عن / مقدمة من مقدمات ذلك الدليل الدقيق ، فيعود الشك والشبهة ، فإثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي طريان الارتياب بعد ذلك ، فالمقصود من إعادة هذا الكلام هو أنه حصل لهم يقين جازم ، بحيث لا يحصل عقيبه البتة شك ولا ريب . السؤال السادس : جمهور المفسرين قالوا في تفسير قوله : الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ إنهم الكافرون وذكر الحسين بن الفضل البجلي أن هذه السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق ، فالمرض في هذه الآية ليس بمعنى النفاق ، والجواب : قول المفسرين حق وذلك لأنه كان في معلوم اللّه تعالى أن النفاق سيحدث فأخبر عما سيكون ، وعلى هذا تصير هذه الآية معجزة ، لأنه إخبار عن غيب سيقع ، وقد وقع على وفق الخبر فيكون معجزا ، ويجوز أيضا أن يراد بالمرض الشك لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين وبعضهم كانوا قاطعين بالكذب . السؤال السابع : هب أن الاستيقان وانتفاء الارتياب يصح أن يكونا مقصودين من إنزال هذا المتشابه ، فكيف صح أن يكون قول الكافرين والمنافقين مقصودا ؟ الجواب : أما على أصلنا فلا إشكال لأنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، وسيأتي مريد تقرير لهذا في الآية الآتية ، وأما عند المعتزلة فإن هذه الحالة لما وقعت أشبهت الغرض في كونه واقعا ، فأدخل عليه حرف اللام وهو كقوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ [ الأعراف : 179 ] . السؤال الثامن : لم سموه مثلا ؟ الجواب : أنه لما كان هذا العدد عددا عجيبا ظن القوم أنه ربما لم يكن مراد اللّه منه ما أشعر به ظاهره بل جعله مثلا لشيء آخر وتنبيها على مقصود آخر ، لا جرم سموه مثلا . السؤال التاسع : القوم كانوا ينكرون كون القرآن من عند اللّه ، فكيف قالوا : ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ؟ الجواب : أما الذين في قلوبهم مرض ، وهم المنافقون فكانوا في الظاهر معترفين بأن القرآن من عند اللّه فلا جرم قالوا ذلك باللسان ، وأما الكفار فقالوه على سبيل التهكم أو على سبيل الاستدلال بأن القرآن لو كان من عند اللّه لما قال مثل هذا الكلام . قوله تعالى : كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وجه الاستدلال بالآية للأصحاب ظاهر لأنه تعالى ذكر في أول الآية قوله : وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثم ذكر في آخر الآية : وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ثم قال : كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ أما المعتزلة فقد ذكروا الوجوه المشهورة التي لهم أحدها : أن المراد من الإضلال منع الألطاف وثانيها : أنه لما اهتدى قوم باختيارهم عند نزول هذه الآيات وضل قوم باختيارهم عند نزولها أشبه ذلك أن المؤثر في ذلك الاهتداء وذلك الإضلال هو / هذه الآيات ، وهو كقوله : فَزادَتْهُمْ إِيماناً [ التوبة : 124 ] وكقوله : فَزادَتْهُمْ رِجْساً [ التوبة : 125 ] وثالثها : أن المراد من قوله : يُضِلُّ ومن قوله : يَهْدِي حكم اللّه بكونه ضالا وبكونه مهتديا ورابعها : أنه تعالى يضلهم يوم القيامة عن دار الثواب ، وهذه الكلمات مع أجوبتها تقدمت في سورة البقرة في قوله : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [ البقرة : 26 ] . قوله تعالى : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ فيه وجوه : أحدها : وهو الأولى أن القوم استقبلوا ذلك