فخر الدين الرازي

647

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة المعارج ( 70 ) : آية 37 ] عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ ( 37 ) وذلك لأنهم كانوا عن يمينه وعن شماله مجتمعين ، ومعنى عزين جماعات في تفرقة ، واحدها عزة ، وهي العصبة من الناس ، قال الأزهري : وأصلها من قولهم : عزا فلان نفسه إلى بني فلان يعزوها عزوا إذا انتهى إليهم ، والاسم العزوة وكان العزة / كل جماعة اعتزوها إلى أمر واحد ، واعلم أن هذا من المنقوص الذي جاز جمعه بالواو والنون عوضا من المحذوف وأصلها عزوة ، والكلام في هذه كالكلام في عِضِينَ [ الحجر : 91 ] وقد تقدم ، وقيل : كان المستهزئون خمسة أرهط . ثم قال : [ سورة المعارج ( 70 ) : آية 38 ] أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ( 38 ) والنعيم ضد البؤس ، والمعنى أيطمع كل رجل منهم أن يدخل جنتي كما يدخلها المسلمون . [ سورة المعارج ( 70 ) : آية 39 ] كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ( 39 ) ثم قال : كَلَّا وهو ردع لهم عن ذلك الطمع الفاسد . ثم قال : إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الغرض من هذا الاستدلال على صحة البعث ، كأنه قال : لما قدرت على أن أخلقكم من النطفة ، وجب أن أكون قادرا على بعثكم . المسألة الثانية : ذكروا في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها أحدها : أنه لما احتج على صحة البعث دل على أنهم كانوا منكرين للبعث ، فكأنه قيل لهم كلا إنكم منكرون للبعث ، فمن أين تطمعون في دخول الجنة وثانيها : أن المستهزئين كانوا يستحقرون المؤمنين ، فقال تعالى : هؤلاء المستهزئون مخلوقون مما خلقوا ، فكيف يليق بهم هذا الاحتقار وثالثها : أنهم مخلوقون من هذه الأشياء المستقذرة ، فلو لم يتصفوا بالإيمان والمعرفة ، فكيف يليق بالحكيم إدخالهم الجنة . ثم قال : [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 40 إلى 42 ] فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ ( 40 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 41 ) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 42 ) يعني مشرق كل يوم من السنة ومغربه أو مشرق كل كوكب ومغربه ، أو المراد بالمشرق ظهور دعوة كل نبي وبالمغرب موته أو المراد أنواع الهدايات والخذلانات إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ وهو مفسر في قوله : وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ [ الواقعة : 60 ، 61 ] وقوله : فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا مفسر في آخر سورة والطور ، واختلفوا في أن ما وصف اللّه بالقدرة عليه من ذلك هل خرج إلى الفعل أم لا ؟ فقال بعضهم : بدل اللّه بهم الأنصار والمهاجرين / فإن حالتهم في نصرة الرسول مشهورة ، وقال آخرون بل بدل اللّه كفر بعضهم بالإيمان ، وقال بعضهم : لم يقع هذا التبديل ، فإنهم أو أكثرهم بقوا على جملة كفرهم إلى أن ماتوا ، وإنما كان يصح وقوع التبديل بهم لو أهلكوا ، لأن مراده تعالى بقوله : إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى